الجمعة ، 17 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / “الفتنة اليوسفيّة” من هنا بدأ تزوير التّاريخ

“الفتنة اليوسفيّة” من هنا بدأ تزوير التّاريخ

صالح التيزاوي

رغم حالة اليأس والإحباط التي غمرت قلوبا آمنت ذات شتاء غاضب من العام 2011 بغد أفضل وبالرغم من الفوضى العارمة التي تلف أرجاء الوطن. وبرغم حرائق الوطن التي لاتكاد تنطفئ في مكان حتّى تشتعل في آخر صيفا وشتاء تأتي بارقة الأمل من هيئة الحقيقة والكرامة (هيئة دستوريّة) حيث تقول السّيّدة سهام بن سدرين أنّها وضعت يدها على وثائق هامّة تفيد أنّ من لقّبوه بـ”المجاهد الأكبر” وقّع على وثائق تمنح فرنسا مواصلة استغلال الثّروات الطّبيعيّة ونهبها بعد “الإستقلال” غير مكتفية بما نهبت طيلة الإحتلال المباشر.

تكشف وثائق التّاريخ أنّ من أعلن نفسه ذات يوم “مجاهدا أكبر” بطل أطول مسلسل تلفزي في تاريخ الإنسانيّة “من توجيهات الرّئيس” ومن هتف النّاس بحياته “يحيا بورقيبة” عن وعي أو جهل أو مكر، فرّط في ثروة الشّعب التّونسي وفي حقّ أجيال وراء أجيال في هذه الثّروة للإحتلال الفرنسي بعد أن تكفّلت دولة الإحتلال بتصفية خصومه لتفسح أمامه الطّريق إلى بوّابة الرّئاسة فيما تكفّل “الزّعيم” بالبقيّة، بدءا من المرحوم صالح بن يوسف والفلّاقة والحركة الزًيتونيّة وانتهاء بالطّلبة وبالمعارضة التّونسيّة من يساريّة وإسلاميّة وليبيراليّة حتّى من داخل حزب الدّستور نفسه وبالإتّحاد العام التّونسي للشّغل ممثّلا في أمينه العام المرحوم “الحبيب عاشور”.

الوثائق التي أصبحت تحت يد هيئة الحقيقة والكرامة ذات قيمة تاريخيّة هامّة لأنّها أكّدت قناعة لدى التّونسيين وهي أنّ بورقيبة كان رجل فرنسا في تونس وقد دفع كثير من التّونسيين حياتهم ثمنا لتلك القناعة كما كلّفتهم أحلى مراحل أعمارهم سجونا ومحتشدات في “رجيم معتوق” الذي أعدّ خصّيصا لتأديب الطّلبة الذين شكّّكوا في الإستقلال وفي زعامة بورقيبة  لإجبارهم على بلع ألسنتهم. كما تمنحنا تلك الوثائق الأمل بتصحيح تاريخنا الذي جاء عاكسا لإرادة بورقيبة. أذكر أنّنا كنّا ندرس في الحقبة البورقيبيّة في مادّة التّاريخ وفي مادّة “التّربية الوطنيّة” التي أصبحت لاحقا في إصلاح محمّد الشّرفي “التّربية المدنيّة”، كنّا ندرس “الحزب الإشتراكي الدّستوري” في مستويات مختلفة من التّعليم الثّانوي وخاصّة في البكالوريا، ومن ضمن المحاور المقرّرة في درس “الحزب” محورا بعنوان “الفتنة اليوسفيّة” بما يعني أنّ صالح بن يوسف هو أصل الخلاف وسبب المشكل داخل الحزب وبما يعني أنّه أحدث فتنة استوجبت اغتياله لأنّ “الفتنة أكبر من القتل”. هكذا يستعمل بورقيبة الإسلام لتبرير جريمته.

وأذكر يومها أنّ أستاذ التّاريخ استمات في الدّفاع عن وجهة نظر بورقيبة وحوّل قاعة الدّرس إلى شعبة. وربّما لم يخطر على باله أنّه كان يمارس جريمة لا تقلّّ خطورة عمّا فعل بورقيبة: تزوير التّاريخ وتزوير وعي من يفترض فيهم أنّهم مستقبل البلاد وأنّه مؤتمن على تربية عقولهم تربية سليمة بعيدا عن منطق “المعبد والكهنة”.

الكنز الثّمين الذي أصبح بحيازة السّيّدة سهام بن سدرين لن يكون من السّهل على الثّورة المضادّة هضمه وستلجأ أذرعها إلى المكر للتّقليل من شأن الوثيقة وربّما التّفكير في معاقبة الهيئة بعدم التّمديد لها أو العمل على تعطيل مهامّها لأنّهم راهنوا على تشويه الثّورة وإقناع الحمقى ضحايا تزوير الوعي والتّاريخ بأنّ الثّورة لم تأت إلّا بالخراب.

شاهد أيضاً

دولة الإكراه

نور الدين العويديدي قامت الثورة التونسية في العام 2011 باعتبارها إنتفاضة شعبية عارمة على تجربة ...

اترك رد