الجمعة ، 17 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / النقابات الأمنية: أمن جمهوري أم مليشيات مسلحة ؟

النقابات الأمنية: أمن جمهوري أم مليشيات مسلحة ؟

عادل بن عبد الله

منذ اعتماد المرسوم 42 المؤرّخ في 25 أيار/ مايو 2011 في عهد حكومة الباجي قايد السّبسي (ذلك المرسوم الحكومي الذي سمح بإنشاء نقابات أمنيّة)، اختلف التونسيون في التعامل مع هذا الواقع “النقابي” الجديد بحكم حساسية القطاع الأمني من جهة أولى، وبحكم المخاوف المشروعة التي تطبع، من جهة ثانية، علاقة الأغلب الأعم من المواطنين بالجهاز “القمعي” الذي حارب الثورة وأثخن في رموزها حتى يوم 14 كانون الثاني/ يناير وهروب المخلوع.

كانت نشأة النقابات الأمنية منذ أيامها الأولى حمّالة أوجه. فالعمل النقابي الأمني هو مطلب مشروع من جهة حاجة الأمنيين إلى من يُمثل مصالحهم المادية والمعنوية، ومن جهة حاجتهم إلى إطار نقابي يحول دون ارتدادهم إلى وظيفتهم القمعية زمن المخلوع بن علي، إطار قانوني يساعدهم على التحوّل إلى “أمن جمهوري” حقيقي في خدمة المواطن والقانون لا في خدمة السلطة الاستبدادية وشبكاتها الزبونية. ولكنّ نشأة النقابات الأمنية كانت أيضا نشأة مشبوهة من أكثر من وجه. فالقائمون على المسار الانتقالي الذي أعقب الثورة هم أبعد ما يكونون عن المصداقية أو النزاهة؛ التي قد تعطي للمرسوم المذكور أعلاه بعدا إصلاحيا حقيقيا.

ويكفي هنا أن نتذكر أنّ الوزير الأول الباجي قائد السبسي كان صاحب تاريخ مريب في علاقته بحقوق الانسان وبالثورة ذاتها، وكذلك الشأن في ما يخص وزير الداخلية وقتها الحبيب الصيد الذي كان في فترة ما مديرا لديوان وزير الداخلية سيئ الذكر، عبد الله القلال. ولا يختلف الأمر بالنسبة للأزهر العكرمي الذي شغل منصب وزير معتمد لدى وزير الداخلية مكلفا بالإصلاح. وقد يكفينا للحكم على العكرمي أن نتذكر تلك الرسالة الشهيرة التي كتبها الشهيد شكري بلعيد؛ واصفا إياه بـ”المخبر الصغير”، استنادا إلى دوره في خدمة المنظومة السابقة منذ أن كان ملحقا صحفيا بديوان وزير العدل. ولو اعتمدنا قولة المسيح المشهورة: “من ثمارهم تعرفونهم”، فإننا سنكون أمام شجرة زقوم لم ير أغلب التونسيين من ثمارها إلا ما يكرهون، بدءا من مهاجمة الباجي نفسه بعد حديثه عن الأمنيين بطريقة لم تعجبهم، مرورا بمحاولة الاعتداء على الرئيس منصف المرزوقي ووزيري الداخلية فرحات الراجحي وعلي العريض، وانتهاء باحتلال ساحة القصبة، ومن بعدها احتلال محكمة سوسة ومحكمة بن عروس.

بصرف النظر عن الاختزالية التي قد تقودنا إليها مقاربة “التمرد الأمني” خارج السياقات المجتمعية المتسمة بالفوضى المعمّمة داخل كل القطاعات، وتحديدا داخل العمل النقابي منذ الأيام الأولى للثورة، وبصرف النظر عن غياب إجماع وطني حقيقي على إدانة التغوّل الأمني وما يُمثله من خطر على المسار الانتقالي وعلى مناخ الاستثمار الخارجي (باعتبار ضعف الحماية القانونية للمستثمرين وانعدام القدرة على التقاضي أمام جهات مستقلة ومحايدة).. بصرف النظر عن ذلك كله، فإنّ أي مقاربة للعمل النقابي الأمني لا تستحضر جملة من المتغيرات ستكون مقاربة ذات قدرة تفسيرية محدودة، وستقع لا محالة في منطق تبرئة الذات وشيطنة الأمنيين، وكأنهم قد جاؤوا إلينا من مجتمع أو من كوكب آخر.

لو أردنا أن نُحدد الإشكالات التي يثيرها العمل النقابي الأمني، لقلنا إنها ترتبط بثلاثة محاور كبرى:

1. حماية المصالح المادية والمعنوية للأمنيين، وهي مسألة لا تثير إشكالا من جهة المبدأ، ولكنها تتخذ بعدا إشكاليا عندما تصاغ في مشاريع قوانين، خاصة ذلك المشروع المعروف بقانون زجر الاعتداء على الأمنيين. وهو مشروع أثار مخاوف مشروعة لدى المواطنين والنخب “المدنية”؛ لأنّ العديد من فصوله هي ضرب لمبدأ المساواة بين المواطنين، وتأسيس لدكتاتورية الجهاز الأمني والمتحكمين فيه داخل الوزارة وخارجها.

2. استقلالية الجهاز الأمني عن الفاعلين الجماعيين، بمن فيهم الفاعلين السياسيين ومراكز النفوذ المالية والجهوية والأيديولوجية، وهي مسألة لا يبدو أن النقابات الأمنية قد نجحت في تحقيقها منذ المرحلة التأسيسية. فرغم أن الفضل 19 من الدستور ينصّ على أن “الأمن الوطني أمن جمهوري، قواته مكلفة بحفظ الأمن والنظام العام وحماية الأفراد والمؤسسات والممتلكات وإنفاذ القانون، في كنف احترام الحريات وفي إطار الحياد التامّ”، فإن سلوك الكثير من النقابات الأمنية كان يتحرك في الغالب ضد هذا المبدأ الدستوري؛ خدمةً لاستراتيجيات بعض الأحزاب السياسية المحسوبة أساسا على ورثة التجمع وحلفائهم في اليسار الثقافي.

3. الالتزام بالمبادئ الدستورية والقوانين سارية المفعول، خاصة فيما يتصل بحقوق الإنسان. وهو التزام أقل ما يقال عنه أنه “هش” إلى درجة أعطت الانطباع بعودة الانتهاكات بصورة منهجية تتجاوز السلوكات الفردية لبعض الأعوان، وترتقي إلى مستوى سياسة دولة. فرغم أنّ الفصل 23 من الدستور ينص على أنّ الدولة مطالبة بأن تحمي “كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي”، فإن الكثير من التجاوزات ما زالت مستمرة، بل إنها ما زالت تجد لدى العديد من النخب “الحداثية” من يُبرّرها ويشرّعها بدعوى مقاومة الإرهاب. وقد لا يكون من الضروري هنا التذكير بأنّ مقاومة الإرهاب عند الكثير من النخب “الحداثية”؛ هي استراتيجية يراد بها إعادة هندسة المشهد السياسي (بل المجتمعي) باستهداف حركة النهضة، والدفع بها إلى هامش المشهد السياسي القانوني، بل إلى خارجه إن أمكن ذلك.

قد يكون من السهل على مختلف الفاعلين “المدنيين” إدانة النقابات الأمنية، ولكنها إدانة لن تغير من واقع الحال شيئا: إن النقابات الأمنية هي جزء من هذا النظام الذي أراد تجاوز الجمهورية الأولى، فإذا به يرث أسوأ ما فيها. كما أن النقابات الأمنية هي مظهر من مظاهر الأزمة المجتمعية العامة وليست سببا فيها. فالفاعلون السياسيون الذين وعدوا المواطنين ببناء أمن جمهوري لم يفعلوا شيئا إلا توظيف العقيدة الأمنية لنظام ابن علي خدمةً لمصالحهم الايديولوجية والحزبية الضيقة، أمّا الحقوقيون فإن أصواتهم كانت دائما ترتفع وتنخفض، تبعا لطبيعة “موضوع القمع” وتبعا للانعكاسات “السياسية” والتوظيفات الممكنة لمواقفهم. ولعل أكبر مظهر من مظاهر الأزمة هو موقف الاتحاد العام التونسي للشغل من النقابات الأمنية، ومن الخطر الذي تمثله على وجود الدولة ذاته. فرغم أن الاتحاد قد صرح أكثر من مرة بأن دوره يتجاوز البعد المطلبي المحض ليتعلق بحماية المجتمع من الانحرافات السياسية والحقوقية، فإنه لم يظهر أبدا تلك الحماسة والصدامية التي ميزت أداءه زمن الترويكا خاصةً.

من المؤكد أن التغول النقابي الأمني الذي عبّرت عنه الكثير من الأحداث منذ حكومة الباجي قائد السبسي المؤقتة؛ هو النتيجة الطبيعية لانتهازية باقي الفاعلين الجماعيين ولامبدئيتهم، وتضخم صراعاتهم الأيديولوجية على حساب المشاكل الحقيقية للمواطن. ومن المؤكد أيضا أن سلوك النقابيين الأمني هو استعادة “مسلحة” لسلوك باقي النقابات القطاعي، ولكن الأخطر في هذا الاستضعاف الممنهج للدولة الذي بدأ في عهد الترويكا هو أن يكون التغول النقابي الأمني مقدمة حتمية للدولة الفاشلة أو حتى للاحتراب الأهلي عند فقدان مختلف الفاعلين الجماعيين الثقة في مؤسساتهم وأوّلها مؤسسة القضاء.

إن النقابات الأمنية تعيد إلينا صورتنا الحقيقية بلا مجاز. ولذلك، فإننا جميعا نتحمل جزءا من المسؤولية في الانحراف الخطير الذي تعكسه تصرفات النقابات الأمنية في الإعلام، وفي المحاكم وفي مراكز الإيقاف وفي بناء ملفات التحقيق “المشبوهة”. فمن دافع عن إرهاب الدولة ضد خصومه الأيديولوجيين (خاصة أولئك المنتمين إلى اليسار الثقافي مثل بشرى بلحاج حميدة ومنجي الرحوي)، عليه أن يتذكر أن الأمني الذي يعتبر نفسه فوق القانون (أو في افضل الحالات يعتبر نفسه “رجل دولة” وليس عون تنفيذ لسياسات الدولة)، لن يتورع عن ضرب أي طرف مهما كانت أيديولوجيته، ومهما طبّع مع النقابات الأمنية زمن الترويكا أو بعده. كما أنّ على من أوهمه “التوافق” أنه في مأمن من ماكينة “البوليس” أن يتأكد أنّ تلك الماكينة الخاضعة لمراكز نفوذ معلومة لن تجد أي حرج في إرجاعه إلى موقعه الأصلي حين تتوفر شروط ذلك إقليميا ودوليا. أي لن تتردد في اختزاله مرة أخرى في موضوع للقمع أو في ملف حقوقي عند النخب “الحداثية”.

لقد أكدت تصرفات بعض النقابات الأمنية (وليس كلها) أنّ استهداف الدولة في وجودها ذاته أصبح خطرا واقعيا، والحل لن يكون إلا بإجماع وطني على التعامل الجاد مع كل محاولات استضعاف الدولة؛ وكل تلك المحاولات إلى ضرب مبدأ المساوة أمام القانون وبناء سلطات موازية لسلطة الدولة (من مثل سلطة النقابة أو الجهة أو الأيديولوجيا). وهو حل لا يمكن أن تستثني منه العقلاء في المؤسسة الأمنية، الأمر الذي يستدعي توفير إطار قانوني واضح لتنظيم عمل الأمنيين والحفاظ على حقوقهم المادية والمعنوية بعيدا عن التوظيفات السياسية والتعليمات الإدارية ومراكز النفوذ المالية والجهوية والأيديولوجية ولا شك في أن أي محاولة تستهدف النقابات الأمنية بلا تمييز أو تتعامل بسلبية مع مطالبها المشروعة؛ لن تفعل شيئا غير تقوية التضامن القطاعي، وإضعاف أي إمكانية لمواجهة الاصوات المعزولة (لكن النافذة) والتي تهدف إلى تغذية الاحتقان السياسي والاجتماعي في هذه المرحلة بالذات؛ خدمة لأجندات إقليمية لم تعد خافية على متابعي الشأن التونسي.

“عربي21”

شاهد أيضاً

السبسي يعلن موت البورقيبية

نور الدين الختروشي على هامش خطاب الرئيس: إقتراح رئيس الدولة بتخيير التونسيين بين الإحتكام للقانون ...

اترك رد