الخميس ، 16 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / لجنة الحريات الفردية والمساواة: ماذا وراء التأجيل ؟!

لجنة الحريات الفردية والمساواة: ماذا وراء التأجيل ؟!

أحمد الرحموني
رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء

كان من المنتظر -طبق مصادر إعلامية- أن تقدم لجنة الحريات الفردية والمساواة لرئيس الجمهورية تقربرها النهائي يوم الثلاثاء 20 فيفري الجاري بعد أن استمرت أعمالها أكثر من 6 أشهر بداية من 13 أوت 2017 الموافق لتاريخ تكليفها بمناسبة العيد الوطني للمراة.

لكن فوجئ المتابعون بتأجيل موعد تسليم التقرير رغم أن رئيس الجمهورية قد استقبل كافة أعضائها التسعة وهم رئيسة اللجنة السيدة بشرى بلحاج حميدة والأعضاء السادة والسيدات عبد المجيد الشرفي وسليم اللغماني وصلاح الدين الجورشي وسلوى الحمروني ودرة بوشوشة ومالك الغزواني وإقبال الغربي وكريم بوزويتة (أعتذر عن إدراج الأستاذ احميدة النيفر ضمن أعضاء اللجنة حسب ما ورد في مقال نشرته سابقا: المساواة في الأرث… ماذا لو تم تمريرها؟!– موقع قضاء نيوز – 19 فيفري 2018).
وقد أوردت رئاسة الجمهورية في خبر يتعلق بالموضوع -وهو ما أكدته رئيسة اللجنة صوتا وصورة- أنه “حرصًا على النأي بالتقرير النهائي عن التجاذبات الحزبية والسياسية، وبعد استشارة رئيس الجمهورية، فقد ارتأت اللجنة تأجيل تقديم تقريرها النهائي إلى شهر جوان المقبل، إثر الإنتخابات البلدية، مع العمل خلال الفترة القادمة على توسيع دائرة استشاراتها لتُكسب توصياتها مزيدا من الدعم والنجاعة” (الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية – 20 فيفري 2018).

وفي ضوء ما تم إعلانه بشأن الأسباب الداعية لتأجيل الموعد المعين لتسليم التقرير، يمكن أن نجد في موقف رئيس الجمهورية واللجنة التي أحدثها مجالا لإبداء الملحوظات التالية:

1. ورد على لسان رئيسة اللجنة أن أسبابا ثلاثة كانت وراء قرار التأجيل وهي أولا النأي بالتقرير المزمع تقديمه عن التجاذبات الحزبية والسياسية وذلك في علاقة بالإنتخابات البلدية وثانيا رغبة أعضاء اللجنة وإرادة رئيس الجمهورية بعد استشارته وثالثا توسيع دائرة الإستشارة لغير أعضاء اللجنة.
ومن الواضح أن اللجنة كانت في غنى عن إعلان الأسباب السياسية لقرارها خصوصا وأنها لجنة فنية متركبة مبدئيا من شخصيات مستقلة ومحايدة وليس من صلاحياتها البديهية (ولا من دورها) قياس التأثيرات أو التداعيات الحزبية والسياسية لتقريرها !.
فهل يمكن أن نجد لهذا التقرير (الذي لم يقدم) ارتباطا بالإنتخابات البلدية ؟. وهل يمكن للجنة أو رئيستها أن تبين لنا نوع هذه التجاذبات وأطرافها ؟. وهل أن قرار التأجيل تحت عنوان سياسي يمكن أن يكون داعما لحياد اللجنة واستقلالها ؟.
وفي الأخير ألا يبدو قرار التأجيل مرتبطا بالإرادة السياسية الخالصة لرئيس الجمهورية طالما كانت اللجنة -التي أعلنت عن الموعد المعين لتسليم التقرير- على علم سابق بتاريخ الإنتخابات البلدية وما يمكن أن ينجر عن تقديم التقرير من تجاذبات ؟!.
وبناء على ذلك كان يمكن للجنة -دون حاجة إلى أسباب أخرى- أن تقتصر على إعلان التأجيل لعدم استكمال أعمالها وحصول التمديد من قبل رئيس الجمهورية في آجال تقديم التقرير النهائي.

2. يتبين بصفة ضمنية من تصريحات رئيسة اللجنة أن صياغة التقرير النهائي تستوجب استشارة موسعة لمزيد “الدعم والنجاعة” وهو ما يشير إلى الجدل الدائر حول توجهات اللجنة والدواعي الباعثة على إحداثها بالنظر خصوصا إلى إبراز موضوعين في مجال اختصاصها وهما التسوية في الإرث بين الذكر والأنثى وإمكانية زواج التونسية المسلمة من غير المسلم.

3. يبدو أن اللجنة -التي كلفت عند إحداثها بإعداد تقرير عن الإصلاحات التشريعية المتعلقة بالحريات الفردية والمساواة وفقا للدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان- قد أغرقت (أو ستغرق!) في مجالات واسعة تتضمن “تقديم جملة من التصورات والمقترحات حول الحريات الفردية وكيفية حمايتها دستوريا واجتماعيا (وكيفية) تدعيم مبدأ المساواة بشكل عام وبين الجنسين على وجه الخصوص” (تصريح لأحد أعضاء اللجنة – موزاييك اف.ام – 14 أوت 2017).
ولذلك فإن توسيع الإستشارة وتعميق النظر في موضوعات شائكة بطبيعتها يبدو مبررا حتى تكتسب توصيات اللجنة “مزيدا من الدعم والنجاعة”.

4. يتضح من تركيبة اللجنة -في تاريخ إحداثها- مراعاة الإنسجام بين أعضائها وفقدان التوازن بين مختلف التخصصات الممثلة في اللجنة (4 من المختصين في القانون – 3 من الأساتذة الجامعيين المختصين في الفكر الاسلامي وعلم الإنسان – 1 صحفي – 1 سينمائية). ويبدو أن وجود بعض الشخصيات “المسيسة” صلب اللجنة قد أعطى إنطباعا مسبقا (إن لم نقل متوجسا) عن توجهاتها وطبيعة مقترحاتها ومن شأن ذلك أن يزيد من درجة التجاذبات الحزبية والسياسية !.

شاهد أيضاً

غرامشي..

محمد ضيف الله غرامشي (Antonio Gramsci) لم يكن معروفا بين الماركسيين عندنا حتى الثمانينات شأنه ...

اترك رد