الجمعة ، 17 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / وقود للنار وعلف للدواب ومصدر رزق لمن لا عمل له

وقود للنار وعلف للدواب ومصدر رزق لمن لا عمل له

حسن الصغير

موسم الحلفاء
لنبتة الحلفاء في قريتي الصغيرة أكثر من حكاية. فهي وقود للنار وعلف للدواب ومصدر رزق لمن لا عمل له.
ففي شهر سبتمبر من كل عام يفتتح موسم الحلفاء فينتشر فقراء القرية في جبالها ووهادها متسلحين بقطع صغيرة من الخشب تسمى المقاليع فيلفون حولها حزمة من سعف الحلفاء ثم يجذبون بقوة حتى يجمعون كمية تسمى “زرزة” ومن هذه الزرز يكونون “خناق” ومن مجموعة الخناقات تتكون “شبكة” الحلفاء التي تلف بشبكة من الحبال أعدت خصيصا لنقل مثل هذه الحمولة.

كان تقليع الحلفاء يبدأ من ساعات الصباح الأولى ويستمر إلى ما قبل الزوال حسب عدد المشاركين في العملية ويكون أغلبهم من النساء عادة وعند الزوال يكون التعب والجوع قد أخذ من الجميع مأخذا فيلف محصول اليوم من الحلفاء في الشبكة ثم توضع على ظهر الحمار أو الجمل أو البغل بشكل يضمن توازنها وعدم سقوطها ثم تعود النسوة إلى البيوت ويتوجه الأطفال بالحمولة إلى سوق الحلفاء “المنشر” حيث يقطعون مع أحمرتهم وشباكهم مسافات تزيد وتقصر حسب مكان جمع الحلفاء لكنها في مجمل الأحوال لا تقل عن الخمسة كيلومترات.
فكنا نحن الأطفال نتبع أحمرتنا المحملة ونحثها على السير ونلعب ونتسابق ونتحادث ولا يستوقفنا إلا وقوع شبكة أو خروج حمار عن مساره فنتعاون على إعادة الوضع إلى طبيعته مستعينين دائما بأحد الكهول المرافقين لنا وبعد ساعة أو أكثر نبلغ المنشر فنصطف في طوابير ننتظر دورنا لنزن شباكنا ثم يعطينا الشخص المسؤول ورقة صغيرة ممضاة مكتوب عليها عدد كيلوغرامات الحلفاء فنأخذ الورقة ونتوجه لأحد المحلات القليلة فنشتري ما أوصونا به وإذا ظل باقي يسجله التاجر في دفتر خاص.
وكان يسمح لنا في موسم الحلفاء بما لا يسمح لنا في غيره فنستطيع شراء الحلقوم أو الشامية أو اللبان للبنات إضافة إلى حاجيات الأسرة من خضر وملح وكبريت وصابون وقاز للقنديل أو البابور وغيره.

وبعد الانتهاء من قضاء الشؤون نمتطي أحمرتنا ونضع شباكنا أمامنا ثم نحث الخطى في طريق العودة فنصل بعد العصر بقليل أو قبيل المغرب.
وفي طريق العودة نستمتع بما تيسر من الشامية أو الحلقوم أو البرتقال الرخيص وإذا لم نجد أيا من ذلك نكتفي بقضم الجزر أو اللفت حتى نبلغ البيوت.
وللأسف لم يعد اليوم بالإمكان معايشة هذه الصور القروية فقد قضى الإنجراد والجفاف على معظم الكساء النباتي من الحلفاء وأجردت الجبال واتجهت الأسر في القرية إلى البحث عن الرزق بطرق أخرى وربما لم يعد هناك أصلا من يقوى على اقتلاع نبات الحلفاء بيدين عاريتين في صباحات شتاء القرية القارس.

شاهد أيضاً

دولة الإكراه

نور الدين العويديدي قامت الثورة التونسية في العام 2011 باعتبارها إنتفاضة شعبية عارمة على تجربة ...

اترك رد