الخميس ، 16 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / نظريّة “الإيمان في القلب”

نظريّة “الإيمان في القلب”

عبد اللطيف علوي

كان لا بدّ لنا من اختراع نظريّة “الإيمان في القلب”، كي نصبح شعبا عظيما جميلا ودودا متسامحا، منسجما تمام الانسجام مع عبثه وجنونه وفوضاه.

لسنا سيّئين أبدا، ولم نخرج يوما عن ديننا ولا عن دنيانا، جعلناهما معا عجّة واحدة، تباع في الأسواق وفي المدارس والجوامع والخمّارات والأعراس والمحاكم والملاعب والشّواطئ والمواخير وفي كلّ مكان. يكفي أن تؤمن بأنّ الإيمان في القلب، لتبيع ما تريد وتشتري ما تريد من متاع الدّنيا والآخرة، ولا حاجة بك لتقديم أيّ تفسير حتّى فيما بينك وبين نفسك، فالصّلاة ليست ضروريّة أبدا ولا فرضا كما يقول الفقهاء المتشدّدون، ما دام الإيمان في القلب، والزّكاة منسيّة أصلا من حديث النّاس، والصّوم مؤجّل ما دام الشّابّ طائشا، وبإمكانه أن يغتنم من حياته ما يشاء، فيزنى ويسكر بشواء عيد الأضحى ويعيش كما يعيش أنداده ما دام العمر لا يزال طويلا أمامه للتّدارك، والحجّ فريضة العجائز البائسين الّذين اقتربت ساعتهم ويريدون أن يغسلوا عظامهم من ذنوب العمر الطّويل.

كلّ ذلك لا يجب أن يفسد للإيمان قضيّة ولا للآخرة ودّا، مادام الإيمان في القلب. يستطيع روّاد الحانات أن يبدؤوا بالبسملة لأنّهم مسلمون في قلوبهم ولا أحد يزايد عليهم، وتستطيع العاهرة أن تتحجّج بالظّروف القاسية وظلم ذوي القربى وتمارس “فضيلتها” فلا يفسد ذلك إيمانها، ويستطيع بائع الحليب أن يخلطه بالماء، فذلك نوع من التّدبير، والجزّار أن يبيعك لحم الحمير أو البغال أو حتّى لحم القطط والضّفادع، فهذا من صميم الشّطارة والفهلوة ولا يتعارض مع الإسلام في شيء. ربّ البيت الوقور لن يفسد وقاره أن يجلس في المقهى بالسّاعات يتسلّى بكلّ أنواع النّكت الفاحشة والنّظر إلى المؤخّرات الكبيرة وسبّ الجلالة بطلاقة وفصاحة وتنغيم، لكنّه لن يفلت الجمعة حتّى وإن كان لا يصلّي باقي أيّام الأسبوع، وسيحرص على شراء الكبش الأقرن الأجمل صورة في الحيّ، عملا بسنّة سيّدنا إبراهيم، وسيلبس القميص الأبيض لصلاة العيد ويسبّح ويكبّر طويلا بصوت جهوريّ خاشع ورأس منكوس، وسيشهد زورا في المحكمة بعد ذلك لينصر رئيسه في العمل على موظّف غلبان، لأنّه مضطرّ للحفاظ على خبزة أبنائه، والإيمان في القلب، وساكنة الحيّ اللاّتينيّ ستقرّد خادمتها الّتي ترتدي الحجاب وتنعتها بالبهيمة المتخلّفة، وستركب كلّ أنواع الموضات لتكبير أشيائها وعرضها للجيمع عرضا يعبّر عن تفتّحها الشّديد وتحرّرها وقطيعتها الابستيمولوجيّة الحاسمة مع ثقافة “الجبورة” المتخلّفين، وستتقبّل التّهاني بعيد الأضحى وعيد الفطر ومولد الرّسول وتنشر بدورها على حسابها الفايسبوكيّ رشّات متتالية من الآيات المكتوبة بخطّ مذهّب والأحاديث الشريفة والأذكار والأدعية المؤثّرة.

المتحجّبة أيضا ليست في ضيق من حالها، فالله يأمر بالسّتر عند المعصية، وما دام الأمر كذلك، فبإمكانها أن تتخفّف قليلا حين تغفل الأعين، وحاسّة التّديّن تتعطّل في الأعراس، وخاصّة إذا كان العرس لقريب من الأقارب، فالفرحة له واجبة والرّقص والرّدح في الصّالات وفوق السّطوح يصبح من السّنن المؤكّدة، والإسراف في الماكياج والتّغنّج لا يفسد للدّين قضيّة، مادام الإيمان في القلب. سائق اللّوّاج سوف يرفع تعريفته ثلاثة أضعاف بمناسبة الأعياد المباركة، وبعد انقضائها يعود مجبرا إلى صراطه المستقيم، والموظّف بإمكانه أن يجعل راتبه الشّهريّ في حساب مغلق مادامت عائدات الرّشوة تكفيه كي يبني ثلاثة طوابق وينفق على عائلته ويشتري فاخر الأثاث والعقارات والسيارات، وهذا لا يتعارض طبعا مع كونه مؤمنا جيّدا إيمانا حقيقيّا، وليس من حقّك أن تزايد عليه ولا أن تذكّره بربّ للعباد ولا بأيّ شيء. الحاكم أيضا لا يضرّ إيمانه أبدا أن يسلخ المعارضين في السّجون وأن يغتصب الأرزاق أو يسقط الشّهداء في السّاحات، لأنّ كلّ ذلك من ضرورات الحكم والمحافظة على الدّولة، ولا علاقة له أبدا بمسألة الدّين، فهو رغم ذلك مازال حامي الحمى والدّين ويشرف على الاحتفالات بالجامع الكبير وعلى توزيع جوائز حفظ القرآن بالجبّة والشّاشيّة القرمزيّة والسّبحة اللاّمعة. فلا يجب أبدا أن نخلط الأمور. نحن شعب سعيد ومتوازن ومنسجم تماما مع نفسه، لأنّ الإيمان مثلما تعرفون، في القلب، والإسلام دين متفتّح متنوّر، والجميع مسلمون بلا أيّ نقاش، حتّى الملحدون في تونس جميعهم مؤمنون، وإيمانهم في القلب، وسوف يتزوّجون المحجّبات ويصلّى عليهم في خشوع ويغسّلون ويدفنون في مقابر المسلمين وتقرأ عليهم الفاتحة.

إنّها الخلطة السّحريّة التّونسيّة، ويقال إنّ الشّيطان يخوض إضرابا وحشيّا عن إغواء النّاس منذ جاء إلى تونس، لأنّه جرّب كلّ الطّرق، ولم يستطع أن يغوي شخصا واحدا من هذا الشّعب الفريد، المتصالح بالكامل مع كلّ موبقات الدّنيا، منذ اخترع نظريّة: الإيمان في القلب.
#عبد_اللطيف_علوي

شاهد أيضاً

السبسي خيانة مؤتمن دستورية وخلقية

أبو يعرب المرزوقي لما انتخب السيد قائد السبسي -وكان اقل الشرين- اعتبرت عهده قد بدأ ...

اترك رد