الخميس ، 19 يوليو 2018

قبل الإحالة

الصادق الصغيري

دخل مكتبه كعادته باكرا، نزع معطفه ببطء، علقه ببطء، استدار الى كرسيه وسحبه ببطء بعد ان القى عليه نظرة طويلة، تحسس اطرافه ومختلف مكوناته، مرر يده بلطف ونفض في عملية روتينية ما يمكن ان يكون علق به من غبار، جلس ببطء حتى استوى في مكانه، فتح الحاسوب، امعن النظر فيه، مرر يديه على شاشته كمن يستطلع الغيب، اضاءت الشاشة واخرج الحاسوب اثقاله، ملفات في غير ترتيب، صور، كتابات ومسوح ضوئية، حملق فيها ببطء كمن يكتشفها لاول مرة، ازداد منها اقترابا، شُبِّهَ اليه في تلك الاونة انها تحادثه وتذكره بتواريخ اعدادها وظروف انجازها، انفتحت شاشة الحاسوب امامه مُربعات مُربعات بعدد السنين التي قضاها منحنيا امامها، هذه صورته وهو شاب يافع يدخل مكتبه لاول مرة، وهذه صورته وهو يحتفي بترقيته غير المنتظرة، وهذه يوم نقلته الى الجنوب، وهذه يوم نقلته الى الوسط، وهذه يوم نقلته الى الشمال، وهذه يوم ابتسم، وهذه يوم غضب، وهذه يوم اشتعل الراس شيبا،، لم يوقظه من متابعة الشريط الا ضجيج زملاء العمل يدلفون الى الداخل ملقين عليه تحية الصباح دون ان ينتظروا الجواب، وجد نفسه على غير العادة مسارعا الى الرد على تحياتهم كلّ باسمه ولقبه، مؤملا ان تستمر التحية اطول وقت ممكن،، تمنى ان يتسمر الزمان ساعتها في محطته معلنا العصيان،، حتى يترشف الاحداث كفنجان قهوة اعد على نار هائة،، كلما تقلصت كميتها ازداد الاحساس بنشوتها،، احس بثقل في راسه، وموجة غثيان تسري في كامل جسده، وبرودة تنتاب اطرافه، حتى اضحى المشهد امامه غائما، وغابت كل مكونات المكتب من حاسوب، ومنضدة وملفات، واقلام، وطوابع، واسماء ومسميات، وقضايا ونوازل، وعرائض ومتابعات، ولم يسلم من التلاشي الا تاريخ المشهد الاستثنائي، تاريخ اليوم الاخير قبل الاحالة على شرف المهنة.

شاهد أيضاً

بشرى تستعدي وزارة الدين

سمير ساسي أقول دوما أن الحداثة سبة وليست فخرا فكل من يدعي أنه حداثي فهو ...

اترك رد