الإثنين ، 25 يونيو 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / اجعلوا جريدة الصباح شامخة دوما..

اجعلوا جريدة الصباح شامخة دوما..

محمد بن رجب

تحتفل اليوم جريدة الصباح بعيد ميلادها السابع والستين إذ هي من مواليد غرة فيفري 1951… فهي تكبرني بثلاثة اشهر و15يوما…
ولئن التحقت بالعمل فيها في بداية شهر جوان من سنة 1975 صحفيا في القسم الثقافي إنما بدأت أنشر فيها مقالاتي الأدبية وبعض قصصي القصيرة منذ التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في أكتوبر 1971…

وربما كانت هذه البدايات في النشر هي التي شجعت جريدة الصباح على آنتدابي بدعم من الزملاء عبد الحميد القصيبي والراخل محمد عرفة وحسن حمادة وصالح الحاجة والمرحوم أحمد عامر… الذين كانوا يقرؤون بعض ما أنشر على اعمدتها…
والحمد لله إني تمكنت من إقناع رئيس التحرير عبد الجليل دمق ومساعده عبد اللطيف الفراتي بما أكتب فتم تثبيتي في شهر اكتوبر من نفس تلك السنة في القسم الثقافي بعد انقضاء فترة التدريب تحت إشراف صالح الحاجة…
ولهذه الجريدة أعطيت نصف عمري فقد بقيت فيها إلى غاية شهر أفريل من سنة 2007 حيث انسحبت في هدوء بطلب التقاعد. وكان يمكن أن أكون واحدا من صحفييها اليوم لو كانت ظروف العمل بها طيبة فقد حول ورثة الحبيب شيخ روحو مؤسسة الصباح إلى جحيم لا يطاق بسبب الصراعات فيما بينهم حول الورثة التي كانت تمثل لهم الغنيمة الحقيقية فلكل واحد من الأبناء طموحاته الحارقة للسيطرة عليها فبرغم أن مخلفات والدهم عديدة ومتنوعة إلا أنهم جميعا يرغبون في الصباح كجريدة وكمؤسسة لأن التحكم في جريدة ليس كمن يتحكم في مصنع كبير او تجارة ضخمة…

أن هذه الرغبة في امتلاك الجريدة او على الأقل إدارتها تتعلق بجريدة لها تاريخ مجيد وهي مدرسة في الإعلام وهي مفخرة من مفاخر الوطن ويحس كل اعلامي وكل مثقف وكل أديب بل وكل سياسي في تونس بالاعتزاز بها وهو يتمنى الانتماء إليها ونشر ما يكتبه على اعمدتها بل أن الجريدة تمتلك رصيدا كبيرا من المحبة والاشعاع في كامل البلاد العربية… ويقدرها حتى الأجانب الذين يعرفون تاريخها وحضورها الكبير في الساحة الوطنية والعربية…
وهذه الصراعات من أجل السيطرة على الجريدة أدت إلى تدهور المؤسسة ولحقتها متاعب جمة أحدثت الاهتزاز الكبير في وضعها الداخلي إذ ان الورثة لم يتركوا العاملين بها من صحفيين وإداريين وتقنيين وعمال بعيدين عن الصراع بل اقحموهم فيها وجعلوهم حطبها وحدث الانقسام داخلها فهذا الجمع مع هذا الوريث وذلك الجمع مع الوريث الآخر مما الهب الطموحات والتطلعات الى الترقيات غير القانونية… والمكاسب غير الشرعية والانتدابات غير المنطقية… فتحول الصراع إلى تطاحن وإلى أحقاد بلغت حد إعلان الاضرابات الداخلية بها والتسبب في الخسائر الثقيلة والعمل على الإضرار بالمطبعة وإحداث الخلل في تجهيزاتها وبالتالي أصبح العمل فيها صعبا جدا ومحرقة للاعصاب.. بل تم ايقاف المطبعة لاكثر من سنتين..

فهذه المؤسسة التي كانت تتميز بمطبعة حديثة لم تقدر الحكومة على اقتناء مثيل لها أصبحت تطبع جريدة الصباح وجريدة لطون والاسبوعيات في مطبعة خارجية توجد بقصر السعيد بما يجعل نفقاتها عالية وخسائرها مرتفعة مما جعل المؤسسة توقف المفاوضات من أجل الترقيات او تحسين اوضاع العاملين فيها بل تم إيقاف بعض الحقوق الأساسية للعاملين مثل منحة الانتاج على مدى سنوات… وقد انسحبت من الحريدة في التاريخ المذكور تاركا حقي في منحة انتاج لسبع سنوات…
وبدأت الجريدة تخسر ثقة الناس فيها وبدات العلاقات فيها بين أصحاب المؤسسة والادارة والصحفيين والعمال غير سليمة بل اصبحت متوترة دوما وايضا فاسدة وفاقدة لأي توازن اخلاقي… واعترف إني شخصيا لم أكن محايدا.. وحاولت أن أدافع عن كيان الجريدة بما رأيته مفيدا لها… فهل كنت على حق ام أن الحق نفسه كان مع جيوب هذا وذاك… فقد دارت عملية شراء الضمائر لتسخين الأجواء ضد هذا الوريث او ذلك او شراء صمت فلان او استنطاق فلتان..
هذه الأوضاع لم تسمح لي بأن أبقى على احترامي لواحد من ورثتها الذي تمكن من السيطرة على قيادة المؤسسة بطريقته الخاصة ولذا لم يعد لي مكان في هذه المؤسسة وبرغبة من الطرفين انسحبت صامتا لكني كنت حزينا جدا ولم أكن الأول فقد انسحب قبلي الكثير وفي فترات مختلفة وتحت إدارات مختلفة والبداية كانت مع عبد الجليل دمق والصادق الزواوي وصالح الحاجة وعبد اللطيف الفراتي وأحمد عامر وغيرهم، فتصوروا جريدة تفقد اطاراتها الواحد بعد الاخر دون أن يزعج النزيف الحاد الورثة وبالتحديد آخر من أدار الصباح قبل أن يقرر اشقاؤه التخلص من هذه الجريدة فقاموا ببيعها إلى صخر الماطري وهو واحد من اصهار بن علي الرئيس المخلوع… وقد تمت الصفقة بعد انسحابي من المؤسسة بسبعة أشهر وكأني أحسست بإمكانية حدوث هذا المصاب الجلل…
وأشهد أن النظام لا دخل له على الاطلاق في عملية بيع الجريدة لصهر المخلوع بن علي المدعو صخر الماطري الهارب منذ اليوم الاول من الثورة بل ان وضعها الداخلي كان يرشحها للأسوأ… وخطأ بيعها كان منتظرا…
صحيح أن عبد الوهاب عبدالله كان يضغط على الجريدة بكل الطرق ويسعى إلى ارباكها ليسهل عليه تركيعها وجعلها طوع بنانه خدمة لنظام بن علي لكن لم يكن القصر يفكر إطلاقا في شرائها لتصبح ملك الدولة فذلك لا يخدمه منطقيا كما ان النظام لم يفكر في جعل الصباح ملكا لواحد آخر من الخواص غير أصحابها الذين لم يعرفوا كيف يحافظون على اجمل ما يمكن أن يخلفه الأغنياء من املاك…

ما اعرفه أن صخر الماطري لما علم برغبة بعض ورثة الجريدة في بيع مناباتهم والتخلص من الخسائر التي اصبحت تلحقهم مع السمعة السيئة التي أصبحت عليها المؤسسة فاتصل بالراغبين في التفويت في مناباتهم بالبيع عن طريق والدته التي كانت صديقة لحاكمة القصر ليلى بن علي… وتقدم مدعوما بأموال جاهزة طبعا… كيف لا وهو صاحب مجموعة من المؤسسات الضخمة التي حصل عليها مجانا ودون بذل أي مجهود وكل ما كان لديه من ثروات ضخمة إنما حصلت بمصاهرته لرئيس فاسد يعتبر تونس غنيمة خاصة به وعائلته.
وبما أن الثورة قامت وجريدة الصباح على ملك واحد من الفاسدين فقد تمت مصادرتها رسميا وأصبحت على ملك الدولة بنسبة تقترب من التسعين بالمائة والبقية لواحد من الورثة لم يبع منابه… وها هي المؤسسة التي هي اليوم ملك الدولة مرشحة للبيع من جديد لمن يدفع أكثر…
فهل يعود إليها الورثة من اولاد شيخ روحو..

وبرغم كل ما حدث في الجريدة.. وبرغم اني خرجت منها حزينا ومهزوما لعدم قدرتي على فعل ما به تعود الجريدة إلى ما كانت عليه يوم وفاة صاحبها… وبرغم إني عملت إثر خروجي منها في منظمة عربية عتيدة بمرتب ما كنت لأحلم به إطلاقا فإني مازلت احمل مشاعر شاهقة من الحب للجريدة ومشاعر الود لكل من يعمل بها منهم زملاء عملت معهم واحترمتهم وقدرتهم وارتبطت بهم بوشائج قوية ومنهم زملاء لم اعمل معهم او تركتهم وهم في مرحلة التدريب والتعاقد اعتبرهم أبنائي واكن لهم مشاعر خاصة من التقدير…
جريدة الصباح قصة حب لا تنتهي… صاحبة عراقة في التأسيس والإعلام والنضال ولها تاريخ مشرف إذ كانت صوتا للحركة الوطنية في زمن كانت تحتاج فيه إلى الدعم الإعلامي.. كما كانت رافدا أساسيا في بناء دولة الاستقلال ومرافقة لكل الأحداث التي شهدتها البلاد.. وهي مؤسسة السياسيين والمثقفين والأدباء والفنانين والعلماء وهي رفيقة المغتربين من التونسيين والعرب في فرنسا…

هذه الجريدة إذن تحتفل اليوم بعيد ميلادها السابع والستين… فأدعو بالمناسبة شباب تونس إلى التعرف على هذه الجريدة العظيمة ذات التاريخ المتميز برغم كل ما حدث لها داخليا فلقد عرفت كيف تصمد وكيف تكون بين أيدي القراء كل صباح في كامل البلاد فحتى لما أندسّ فيها من لا يحبها وتوقفت مطبعتها عن الدوران قام كل الذين ناضلوا من أجل أن تبقى شامخة بالهروب بانتاج رجالها إلى مطبعة خارجية رغم أن ذلك تكلف عليها مبالغ عالية جدا دفعته المؤسسة من عرق ابنائها الذين صبروا طويلا على الأذى المادي والمعنوي.. ولا بد أن نعرف أن خروج الجريدة الى مطبعة أجنبية عن دار الصباح وهذه الفترة في حاجة الى دراسة جادة حتى يعرف الجميع ما حدث بالفعل مع تحديد المسؤوليات.. لجريدة الصباح التاريخ وليست مجرد مؤسسة لإنتاج الحليب او المشاركة..
وبمناسبة عيد ميلادها فإني اترحم على كل الذين أعطوا ثمرة جهدهم لهذه الجريدة ورحلوا وهم يحبونها وهم عل استعداد لمزيد التضحية من اجلها…
واتقدم بالتهنئة لكل الذين عملوا فيها في فترات مختلفة من عمرهم وعمرها منذ التأسيس ومازالوا على قيد الحياة..
واتقدم لزملائنا العاملين بها حاليا بالتهاني القلبية معبرا لهم عن اجمل مشاعر الود والاحترام وادعوهم بكل حب الى العمل من أجل أن تبقى الجريدة شامخة… من أجل إعلام حر
في خدمة الوطن لا في خدمة المصالح الخاصة كم هي قذرة اذا فقدت الأخلاق والمبادئ والقيم…

والصورة التي انشرها هنا هي آخر صورة لي في مكتبي بحريدة الصباح في بداية سنة 2007 التقطها الصديق لطفي القصيبي من القسم الفني… وسلمها لي بعد سبع سنوات..

شاهد أيضاً

الشاهد وديناصورات السياسة الثلاثة

عبد اللّطيف درباله يوسف الشاهد يسير في طريق مسدود.. ويتوهّم أنّه يستطيع أن يُصَارِعَ ويَصْرَعَ ...

اترك رد