الإثنين ، 20 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الثورة الصناعية الرابعة

الثورة الصناعية الرابعة

مختار صادق

أتابع الأوضاع في تونس والوطن العربي عن كثب وخصوصا ما يحدث في أهم بلدين عربيين فيه (مصر والسعودية). لا فائدة في اجترار المرارات فحال العرب هذه الأيام ليس على ما يرام! كل ما بوسعنا فعله هو محاولة التغيير على قدر استطاعتنا في مجال فعلنا إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. في هذا الإطار اتصل بي صديق عزيز (عبد القادر) هذا الصباح وقد لخص لي الوضع كاملا في تونس باختصار جميل فقال.”تونس بعد الثورة خير في المجمل ولكن هناك أشياء قد تكون تدحرجت نحو الأسوأ. تونس يلزمها تغيير في العقلية ولكن هذا يتطلب بعض الوقت فما يلزم البلاد هو الإكثار من الفعل والتقليل من الكلام!” .

فعلا فالعالم برمته في سباق مجنون هذه الأيام لرسم ملامح الثورة الصناعية الرابعة التي هي بصدد التشكل كل يوم بل كل ساعة وقوامها الذكاء الإصطناعي ما في ذلك شك. بعض العارفين بشؤون التاريخ والتكنولوجيا يشبهون هذه الثورة الصناعية الآخذة في التشكل بمثابة اختراع النور الكهربائي قبل عصور الظلام.
في هذا التعليق سأتعرض إلى رافد صغير من روافد الذكاء الإصطناعي والمتمثل في تكنولوجيا اللغات الإنسانية. السباق على قدم وساق بين الشركات العملاقة مثل “أمازون” و”جوجل” و”آبل” وغيرها للسيطرة على هذا الرافد العلمي الحيوي عن طريق استعمال برمجيات الكمبيوتر الذكية اصطناعيا لتقوم بالعديد من التقنيات اللغوية العجيبة والتي قد تستغرق عشرات الإخصائيين في مختلف لغات العالم لتقديم خدمات مماثلة.

من الخصائص التي يتسابق عمالقة التكنولوجيا لتطويرها الآن وإنزالها إلى الأسواق هي الترجمة الآلية والآنية للغات بطريقة حرفية تساوي أو تفوق جودة المختصين في الترجمة. ولهذه الخاصية تطبيقات عديدة منها التواصل المباشر والحي بين شخصين كل يتكلم لغته بينما يتكفل الكمبيوتر بترجمة لغة كل منهما للآخر بشكل فوري لا يتعدى بعض الثواني. ومن شأن هذه الخاصية أن تفتح آفاقا لا حدود لها للتواصل بين سكان المعمورة. الشيء المفرح أن اللغة العربية هي ضمن اللغات الست الأوائل التي تسعى الشركات لتغطيتها بهذه التكنولوجيا وهناك المئات من الباحثين العرب الذين يعملون بهذا الميدان. هذه التكنولوجيا كان لها تأثير محدود إلى ماض قريب رغم اعتمادها على أحدث اللغاريتمات الممتدة في علوم الإحتمالات والإحصائيات لأنه ومهما كان تطور هذه اللغاريتمات فهي مبرمجة ولا يمكن التنبؤ بكل ما يمكن اعتراضها من الكلمات والجمل والمفردات. بينما اللغاريتمات المبنية على مبدأ الذكاء الإصطناعي فإنه يقع “تدريبها” على مبادئ اللغة وهي تزداد تعلما مع مرور الوقت لأنها تأخذ بعين الإعتبار كل ما يعترضها وهنا تكمن قوة الذكاء الاصطناعي.

من الخاصيات الأخرى التي يجري الإشتغال عليها هي تحويل الكلام المسموع إلى كلام مكتوب بصفة آلية ومباشرة والعكس بالعكس أي إدخال نص أو رسالة مكتوبة للكمبيوتر ليحولها إلى كلام مسموع من إنتاج الكمبيوتر. ومن التطبيقات الطريفة هو إستعمال أصوات بعض المشاهير والنجوم لقراءة تلك النصوصة المكتوبة بلغات عدة. فمثلا يمكن ترجمة نص من الأنقليزية إلى العربية وقراءته بصوت “براد بيت” أو “هيلاري كلينتون” أو غيرهما من المشاهير وهم يتكلمون اللغة العربية بلسان عربي مبين. من التطبيقات المماثلة الأخرى هي فهم وتحليل لقطات “الفيديو” المخزنة في “الأنترنيت” ليكون بالامكان ترجمتها إلى لغات اخرى وتحليل محتواها والبحث عنها بمحركات البحث مثل “جوجل” تماما مثل البحث عن النصوص في الشبكة العنكبوتية. كذلك تفتح هذه الخاصية إعادة دبلجة أشرطة الفيديو آليا لسماعها بلغات أخرى غير اللغة الأصلية.

النية تتجه لإنتاج الرجل الآلي الذي بإمكانه التواصل بكل اللغات وحتى إنتاج الموسيقى. باكورات هذه الأعمال ستبدأ في النزول للأسواق في الأشهر القادمة لجعل العالم ليس قرية صغيرة فحسب ولكن قرية ذكية يفهم فيها الجميع بعضهم البعض ويرون بعضهم البعض.
كالعادة بإمكان الإنسان أن يستغل هذه العلوم لصالح الإنساية ونشر ثقافة التواصل واحترام الآخر أو لخلق الأسلحة الفتاكة التي قد تأتي على البشرية جمعاء. هذه هي أولويات العالم أما في وطننا العربي وكما قال صديقي عبد القادر فإن المطلوب هو العمل كثيرا والكلام قيلا وربي يحسن الخاتمة!

شاهد أيضاً

في جدلية الوصائية والشعبوية

مصدق الجليدي يسقط المثقف الوصي ويحيا الشعب الحر الأبي هنالك انزلاقات من طبيعة معرفية وانحرافات ...

اترك رد