الخميس ، 16 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / جميلات الفايسبوك

جميلات الفايسبوك

عبد اللطيف علوي

الفايسبوك مثل عرس كبير، في الصّالة أو في البطحاء أو فوق السّطح، تستغلّه النساء جيّدا للتجمّل، وكلّ واحدة تريد أن تبدو أجمل من في الحفل، وأن تظهر جمالها بشكل يلفت انتباه العالم بأسره، يلفت انتباه النّساء فتكيدهنّ كيدا عظيما ويلفت انتباه الرّجال فتحرق أكبادهم حتّى تتصاعد منها رائحة الشّواء اللّذيذة، وتلفت انتباه العازفين والآلات والكراسيّ والطّاولات وأطباق الكعك وفوانيس الكهرباء وكلّ شيء…

كلّهنّ لا يقبلن بأقلّ من أن يكنّ الأجمل والأحلى والأبهى والأكثر سحرا وإثارة وفخامة وعذوبة ورقّة واكتمالا… فيغيّرن الفساتين وقصّات الشعر والماكياج كلّ ربع ساعة، مثلما يغيّرن الصّور على الفايسبوك كلّ 13 دقيقة بالضبط…
على الفايسبوك، يحدث نفس الشّيء، وبنفس الصّورة مثلما يحدث في الأعراس… تجد المتحرّرة الّتي تنزل صورها بكثير من الجرأة، وهي تتقصّد ذلك… فتتهاطل عليها الإعجابات والتّعليقات الّتي توازي جرأتها، فتفهم دون تعقيد للأمور، بأنّ الأشياء يجب أن تتمّ بمنتهى العفويّة والصّراحة والوضوح، تجد من يكتب لها مثلا: “يعنبو زينك” والآخر: “ما أحلى عينيك” وثالث يكتب تعليقا مرحا وبإيحاء بذيء جدّا، لكنّها ستجيب عليه بكلّ أريحية: “ههههههه” (بعدها مباشرة يتمّ الدخول إلى الخاصّ) ورابع يكتب تعليقا من نوع “وقتاش تركحلي ونمشو للنحليّ”… كلّ ذلك طبيعيّ جدّا وعاديّ ولا يثير أيّة شبهة من أيّ نوع وليس حتّى مدعاة للسّخرية…

بعضهنّ متحفّظات أكثر ومتحجّبات… لكنّهنّ جميلات رغم ذلك… بل إنّ بعض بعضهنّ جميلات جدّا وأكثر إثارة ممّا لو كنّ سافرات متحرّرات، جميلات بشكل مخالف لكلّ الأعراف الدولية ولحقوق الإنسان وكلّ قوانين الطبيعة … والعرس تجد فيه المتحرّرات بشقّ في خلفيّة الفستان وانزياح على الكتفين وفتحة طويلة في الصّدر، وتجد فيه المتحفّظات لكنّهنّ ، مثل أيّة امرأة في العالم، يحببن الإطراء والتّغزّل بجمالهنّ وإن كنّ حريصات جدّا على إظهار عكس ذلك، ويسارعن إلى حذف أيّ تعليق جريء بعد حفظه عن ظهر قلب، ولا يتنازلن عن حقّهنّ أبدا في أن يكنّ أجمل الجميلات… وهنا تستعمل المرأة أسلحتها الأكثر سرّية ودمويّة وفتكا ودمارا شاملا: النّظرة الحالمة، البسمة الخفيفة المائلة، حمرة باهتة جدّا على الخدّين والشّفتين، الكحل الحارّ…
كلّ ذلك أمر طبيعيّ أيضا ومشروع في عالم المرأة وإنسانيّ ومن لا يريد أن يفهم ذلك فهو حمار بذيل طويييل جدّا… لأنّ المرأة كائن جميل وجمالها ملح الحياة… ونحمد الله أن خلق لنا النّساء ليداوين جراح الطّبيعة و الكون من قبحنا نحن الرّجال، وليعدّلن دوران الكواكب ومسار النّجوم بسحر نظراتهنّ وإيقاع خطوهنّ العجيب…

ما هو ليس ممتعا أبدا في الموضوع، وليس جميلا بالمرّة وليس مريحا، هو تعليقات الكثيرين من السّادة الرّجال على صور الحسناوات المتحجّبات المتحفّظات، تجده يريد أن ينقضّ عليها من الصّورة لكنّه يحرّك الفأرة ويكتب: “زادك الله نورا يا أختي الفاضلة”… والآخر يكتب (بعد أن يضع قلبا أحمر كبيرا ولو استطاع لجعله بحجم قبّة المنزه) ” حفظك الله يا أختي العفيفة الطّاهرة وأنارك بنور الإيمان وزينك بالتقوى ” أو ” تبارك الله يا أخت الإسلام، وما شاء الله … طهر وعفّة وصلاح … زادك الله من التقوى والورع .. “وهو في الحقيقة يريد أن يقول لها: ” يا لعينيك ويا لي… ” أو “ذبحتنا يا ذات الخمار الأسود أو حتّى القزورديّ “…أو ” شنوّة ها العسل اللّي يقطر ” … أو “تكويت وما قلت أحّيت”… إلخ إلخ إلخ… فتفهم المرأة ما وراء السّطور وفي الخبايا، لكنّها تسترسل في ورعها ومكرها الأنثويّ الجميل وتردّ عليه وهي تبتسم في سرّها : ” حفظك الله وأنار طريقك بالهدى يا أخي الفاضل”
هؤلاء البائسون المساكين هم من يثيرون الشفقة حقّا…

يا أولادي الفايسبوك جنّتكم الفانية… افرحوا وارقصوا وغنّوا كما قال الشّاعر معمّر القذّافي، أو تأدّبوا وغضّوا البصر وكلوها في عظامكم وابلعوها بالغصّة، مثلما يحدث معي في أغلب الأحيان، وكفّوا عن التّمسّح والتّرهدين والّتّلوّن والتّسكبين والتّفركيح…
أمّا أنتنّ يا جميلات الفايسبوك، فانثرن على صفحاتنا ورودكنّ وعطركنّ، فوالله لو خرجتنّ منها لأجدبت وسكنتها الغربان ولهجرناها هجرا مبينا.

شاهد أيضاً

أحزاب واعدة تتفتت على محارق سؤال الهوية

نور الدين الختروشي الاستقالات المعلنة وغير المعلنة من حزب عبو تدل على أن التموقع الثقافي ...

اترك رد