الإثنين ، 23 أبريل 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / صحوت ذات يوم فلم أجد شيطاني الصّغير

صحوت ذات يوم فلم أجد شيطاني الصّغير

عبد اللطيف علوي

“أووووف !! فعلتها مرّة أخرى وبُلْتِ في فراشك؟… كرّهتيني في حياتي !”
جذبت يدي بعنف من داخل كمّ القميص كي تغيّر لي ثيابي كاملة مثل كلّ يوم. سروالي مبتلّ إلى القدمين، وبقعة البلل على الفراش صار لها لون داكن رغم أنّ أمّي كانت كلّ يوم تقلب الحشيّة، فتجفّ قليلا من جهة وتتبلّل من الأخرى… أمّي حزينة ومشفقة عليّ كثيرا لكنّها غاضبة أيضا. كلّ ليلة توصيني قبل أن أنام بأن أتيقّظ جيّدا في اللّيل كي لا أبول في الفراش مرّة أخرى، تجاوزت العاشرة منذ عامين وصرت أدرس بالسّنة السّادسة، لكنّني لم أستطع أن أكبر بما يكفي كي لا أسقط كلّ ليلة في نفس الحلم الّذي يجعلني أصحو على نفس المأساة ونفس المهانة ونفس الخجل المرّ كلّ يوم. أمّي جرّبت معي كلّ الأساليب الممكنة، نصحتني، ذكّرتني، توسّلت إليّ، هدّدتني بأن تفضح أمري بين رفاقي في القسم، وبّختني، صرخت في وجهي يائسة عاجزة وهي تبحث لي كلّ صباح عمّا تغيّر به ثيابي فلا تجد، كنت أقف مستسلمة صامتة وأنا أنظر إليها وفي القلب غصّة وهي تغسّلني كلّ صباح وتغيّر ملابسي وتندب حظّها، لكنّني لم أكن أجد ما أدافع به عن نفسي ! وماذا عساي أقول؟

أنا البنت الوسطى الّتي جاءت بين زمنين، لم أنل حظوة الكبرى ولا دلال الصّغرى، حتّى أبي، لم يعد يفوّت فرصة دون أن ينعتني بأنّني “بوّالة”، يجرّني من يدي كلّ صباح إلى فراش أختي الصّغرى وهو يعربد: “انظري… هات يدك، المسيه جيّدا… أختك الصّغرى تخلّت عن الحفّاظات منذ سنّ الثّالثة، ولم تبلّل فراشها يوما… أمّا أنت، فبوّالة، وبهيمة، وماكرة !… لن تصلحي أبدا لأيّ شيء !”
كانت لحظة الدّخول إلى فراشي، من أشدّ اللحظات رعبا في حياتي، أظلّ فاتحة عينيّ في الظّلام الحالك، أقاوم النّوم حتّى يغتصبني اغتصابا، أدعو الله أن ينقذني هذه اللّيلة، ليلة واحدة فقط أستطيع بعدها أن أرفع رأسي صباحا وأضحك معهم وألاعب قطّتي قبل الخروج، لكنّني كنت بمجرّد أن أغمض عينيّ، أشعر أنّني أثقل رويدا رويدا وأغوص مثل حجر ضخم في أعماق بئر، يتملّكني برد شديد يكوي المفاصل، فأشعر بشيء ينتفخ في أسفلي ويثقل يثقل حتّى تنفتح منه كوّة صغيرة، وينسرب على فخذيّ سائل دافئ لذيذ، أنتشي لحظات وأخفّ رويدا رويدا حتّى أصّاعد من قاع البئر وأستيقظ فأجد نفسي منقوعة في البول، ألعن نفسي وألعن النّوم الّذي فُرض عليّ كلّ ليلة ثمّ أرشق عينيّ في سواد اللّيل أنتظر استيقاظ العائلة لأنال نصيبي ككلّ صباح من التّوبيخ والتّجريح والسّخرية !

عندما يئس الجميع منّي، ويئست من نفسي، صرت أنتظر أن يناموا، فأنزع سروالي وملابسي التّحتية السّفلى كلّها، وأبيت نصف عارية والبرد ينهش عظامي ومفاصلي، ثمّ أنهض في الصّباح قبل أن ينهضوا، فألبسها من جديد، وأتظاهر أنّني لم أبل في فراشي ليلة البارحة ! أذكر كم فرحت أمّي أوّل مرّة واحتضنتني، وكم شعرت يومها بأنّني سعيدة ومهمّة ! مثل أختيّ الأخريين ! أبي لم يحتضنّي منذ شهور، آخر مرّة أردت أن أحتضنه قال لي: “أووووف… رائحتك كريهة، أنت مثل الثّعلب الشّايطة !”، يومها كتمت الغصّة في كبدي وانزويت في غرفتي”، بعد دقائق أقبلت أمّي تفتح النّوافذ والأبواب وهي تغمغم: “صارت حظيرة خنزير ! متى يتوب علينا الله من هذا العذاب!”.

يوما بعد يوم، تركت الجميع يتخبّطون في حظّهم السّيئ ويتحمّلون وزر إنجابي، وانسحبت إلى خلوة صنعتها من خيوط العناكب وأجنحة الفراشات. لكنّني لم أعد وحيدة. صار معي شيطاني الصّغير، يقفز من جيبي كلّما رآني وحيدة وحزينة، يداعب أنفي ويوشوش في أذنيّ بشقاوة، فأركض خلفه ونفعل أشياء يُجَنُّ لها الجميع، أبي وأمّي وأختاي والمعلّمون وكلّ من يعرفني، لكنّنا نفرّ معا بسرعة إلى خلوتنا ونضحك منهم جميعا حتّى ننسى وجودهم من حولنا، شيطاني الصّغير صار يلازمني دائما كظلّي، كم ركضنا معا في البيت وأسقطنا الصّحون ومزّقنا كرّاسات أختيّ وعبثنا بأوراق التّلاميذ في القسم، وسرقنا النّقود من جيب أبي وكذبنا على المعلّم وعلّقنا أوراقا على ظهور التّلاميذ الجادّين العابسين الّذين لا يبدو أنّهم يتبوّلون في الفراش، بعد أن نكتب عليها “حمار للبيع”، وكم سخرنا وضحكنا من أبي وهو يضربني حتّى تتورّم عيناي، لكنّنا كنّا نستلقي على الفراش، أنا وشيطاني الصّغير، ضاحكين بلا أيّ اكتراث أو مبالاة…
لا أذكر بعدها متى كففت عن البول في فراشي، ولا كيف تغيّرت الأمور فجأة وصرت أصحو فأجد فراشي جافّا دافئا، لا أذكر حقيقة، ولم أفرح بما حدث ولم أشعر، مثلما شعر الآخرون، أنّ الأمر كان يستدعي الاحتفال، كلّ ما أذكره أنّني صحوت ذات يوم فلم أجد شيطاني الصّغير، وأنّني حزنت كثيرا كثيرا لفقده، حزنت كما لم أحزن في حياتي، وانتظرت عودته سنين،
لكنّه لم يعد !
#عبد_اللطيف_علوي

شاهد أيضاً

دفاعا عن الجمهورية الثانية (1)

عادل بن عبد الله لعلّ من أهم الأحداث التي أسفرت عنها الثورة التونسية هو انكسار ...

اترك رد