الثلاثاء ، 17 يوليو 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / الثّعلب وكرسيّ الرّئاسة

الثّعلب وكرسيّ الرّئاسة

صالح التيزاوي

أنجع طريقة ابتكرها السّيسي ليدفع شبهة الفساد عن نفسه والظّهور بمظهر “الأطهار” و”الأخيار”، الإكثار من لعن الفساد والفاسدين واحتكار شرف مقاومتهم حماية لكرسيّ الرّئاسة من شرّهم وفسادهم. بما يعني أنّه “التّقيّ” و”النّقيّ” و”الأجدر” بكرسيّ الرّئاسة، ولو فرّط فيه فإنّ اللّه سيحاسبه علي ذلك.

هكذا كان يقول النّوفمبريون عندنا: “بن علي مؤتمن على الوطن”. وهكذا يردّد شبّيحة الأسد “الأسد إلى الأبد”. بأسلوب الثّعلب الماكر برز السّيسي لضحاياه مفتتحا حملة انتخابيّة مبكّرة. ولكنّه بدا متوتّرا وحزينا على الرّغم من أنّ المناسبة من المفروض أن تشيع أجواء من البهجة، كيف لا، وهو يعلن ترشيح نفسه لولاية ثانية بطلب من “عشّاقه”، بعد “النّجاحات” التي أعلن هو نفسه عنها لمّا زار فرنسا: “ما عندناش تعليم جيّد” و”ماعندناش صحّة جيّدة” وما “عندناش شغل” و”ما عندناش إعلام جيّد”. فماذا يوجد إذا عند النّظام الإنقلابي؟ سجون وتنكيل بأصحاب الرّأي وقتل خارج القانون… “نجاحات”، تؤهّله لولاية ثانية وربّما ثالثة ورابعة، شأنه في ذلك شأن كلّ الفاسدين من حكّام العرب، يحكمون من القصر إلى القبر. ردّد السّيسي عبارة “الفساد” و”الفاسدين” بصفة مكثّفة، وكان يحشرها حشرا في كلامه بمناسبة وبدون مناسبة.

لقد كان شعار ولايته الأولى: “مقاومة الإرهاب” وهل ثمّة إرهاب أعنف ممّا تابعه العالم على الفضائيات في “رابعة” و”النّهضة” وفي “جامع الرّوضة” بسيناء ؟ أمّا الولاية الثّانية فقد استقرّ رأي “بلحة”، أو هكذا أشاروا عليه، أن يكون عنوانها الأبرز “مقاومة الفساد”.
ويبدو أنّ هذا الشّعار أصبح يستهوي كثيرا من حكّام العرب المستبدّين. ربّما وجدوا فيه حيلة لامتصاص غليان شعوبهم. السّيسي مقدم على مرحلة جديدة لا بدّ لها من كذبة جديدة.
وهل يمكن مقاومة الفساد في غياب قضاء مستقلّ وإعلام حرّ وبرلمان متعدّد ومجتمع مدني فاعل؟ وهل يقاوم الفساد فاسد ؟ أليس الإنقلاب على إرادة الشّعب هو رأس الفساد؟
أليس القتل والسّجن والتّنكيل بمن جاؤوا إلى الحكم لأوّل مرّة في تاريخ مصر بإرادة شعبيّة هو الفساد بعينه؟
أليست مصادرة الحرّيّات العامّة والخاصّة وإفراغ الحياة السّياسيّة من النّشطاء، هو أعلى درجات الفساد؟

بعد أن هيمن العسكر على الحياة السّياسيّة واستحوذ على كلّ السّلطات ووضع يده على ثروة البلاد ومقدّراتها أصبح الأمل في الإصلاح وهما ومطلبا عزيز المنال. مصر أضحت معتقلا كبيرا والسّيسي ماض في حكمها لا يحول بينه وبينها إلّا قضاء اللّه وقدره. فرعون “حشر ونادى وقال: أنا ربّكم الأعلى” والسّيسي حشر ونادى وأرسى تقليدا جديدا لم يسبقه إليه أحد من العالمين “لاتقتربوا من كرسيّ الرّئاسة” لأنّ كرسي الرّئاسة “أمانة”، والأمانة أخذها السّيسي بالخيانة، فأدمن الخيانة. الرّجال يقسمون ألّا يبيعوا أوطانهم والسّيسي يقسم على أنّ “تيرانا” و”صنافير” ملكا للسّعوديّة. فهل ثمّة خيانة أفظع من بيع الأوطان؟ ليس من السّهل على من خان وباع أن يفرّط في كرسيّ الرّئاسة حماية لرأسه ولعصابة أعانته على إجرامه. من المضحكات المبكيات أن عسكريين اثنين يتنافسان على حكم يفترض فيه أنّه مدنيّ. يتنافسان على من يقتل أكثر من شعب مصر، ومن يغنم أكثر، ومن يمكّن للعسكر أكثر وأكثر. “سامي عنان” لم يأت على ذكر الحرّيّات، ولا على الوضع الإجتماعي والإقتصادي الذي ازداد انحدارا تحت حكم االسّيسي، وليس في كلامه ما يبدّد مخاوف المصريين، ولكنّه دعا إلى إشراك المجتمع في دعم العسكر. المرشّح الجديد،لا يريد مواطنين ولا مجتمعا حرّا وإنّما يريد قوّادين وفلولا وأزلاما وشبّيحة يعينون العسكر على جرائمه.

شاهد أيضاً

ماذا يمكن أن أشتري بحياتي ؟

عبد اللطيف علوي جميعنا نتذكر لحظة إعدام صدّام حسين، كانت لحظة رهيبة، بدت للكثيرين لحظة ...

اترك رد