الأحد ، 25 فبراير 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / لماذا يكره أغلب “الحداثيين التونسيين” حركة النهضة ؟

لماذا يكره أغلب “الحداثيين التونسيين” حركة النهضة ؟

عادل بن عبد الله

في هذا المقال سنبدأ من الأول، ومن حيث لا ينبغي أن نبدأ في العادة: سنترك وراءنا فترة المخلوع ابن علي كلها، لن نتحدث عن “المظلومية” التي كانت الرأسمال الرمزي الأساسي للنهضة في انتخابات المجلس التأسيسي، ولا عن أدائها في ذلك المجلس وفي تجربة “التوافق”، ولن نتحدث عن أدوار النخب “الحداثية” في النظام الدستوري التجمعي الذي حكم تونس منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا. سنبدأ فقط من 14 كانون الثاني/ يناير 2011 وهروب المخلوع إلى السعودية، وسنحاول الإجابة عن السؤال التالي: ماذا يُمثل الإسلاميون في تونس بعد الثورة بالنسبة “للحداثيين”؟

في الخطاب “الحداثي” المهيمن على المشهد العام، يمكن أن نختزل رمزية الإسلاميين بعد الثورة في بُعدين متناقضين: إنهم من جهة أولى -لو استعرنا عبارة الفيسلوف الفرنسي جاك درّيدا- يُمثلون “الخارج المطلق” للمجتمع، أو ما يُسمى بـ”النمط المجتمعي التونسي”. إنهم يطرحون عقلا سياسيا تقليديا “ما قبل حداثي” يطعن في مجمل الأساطير المؤسسة لذلك النمط المجتمعي قيميا وسلوكيا، ويهدد المصالح المادية والرمزية للقائمين عليه في مختلف الحقول المجتمعية. كان هذا الخارج -كما يقول جاك درّيدا- أمرا حيويّا لتلاحم المجموعة “الوطنية” ولتحديد هويتها مقارنة بالآخر الحقيقي أو المتخيل. وهم (أي الإسلاميون) من جهة ثانية؛ يُمثلون أكبر مظهر من مظاهر”القطيعة الجذرية” التي أحدثتها الثورة مع الزمن/العقل السياسي اللائكي الحاكم في عهد “صانع التغيير” وقبله في عهد “صانع الأمّة”. إنهم أخطر متغير فرضته الثورة على الحقل السياسي التونسي بصورة هي أقرب للهزة أو للصدمة منها إلى التحولات التراكمية أو المقصودة.

بصرف النظر عن مواقفنا المختلفة من الأداء السياسي لحركة النهضة في المرحلة التأسيسية وما بعدها، كانت لدى أغلب الحداثيين، الذين احتلوا المشهد العام خلال مرحلتي بورقيبة والمخلوع ابن علي، قابلية “بنيوية” للدخول معها في علاقة تضاد، بل في علاقة صراع “وجودي” قائم على النفي المتبادل، وعلى إنكار أي موقع للالتقاء حول “مشترك وطني” تحت راية “الجمهورية الثانية”. لقد كان أغلب الحداثيين يرون في الثورة، وفي الجمهورية الثانية، فرصة لإعادة تدوير السلطة ومواقع إنتاج الثروات الرمزية والمادية بين المنتمين إلى “العائلة الديمقراطية” دون غيرهم.. والديمقراطي “النموذجي” هو ذاك المعادي للإسلام السياسي من جهة أولى، والمتحالف مع ورثة المنظومة القديمة من جهة ثانية. كان على الإسلاميين، وفق “المشيئة” الحداثية العابرة للأيديولوجيات، أن يبقوا في دائرة “الهامش”، ولم يكن وصولهم إلى موقع الحكم في تجربة الترويكا ليخفف من عدائية الخطابات “الحداثية” التي كانت ترى مواقعها كلها مهددة بإرادة شعبية وتوجّهات مجتمعية طالما ادعت تمثيلها، بل احتكار ذلك التمثيل.

كانت مفردات الصراع “الوجودي” مع “الإسلام السياسي” تفرض على أغلب النخب “الحداثية” التونسية، ببورقيبييها وقومييها ويسارييها، أن تحشر كل الإسلاميين، خاصة حركة النهضة، في خانة الخارج المطلق للمجتمع التونسي، وأن تُثبتهم جميعا في صورة نمطية واحدة تقفز فوق اختلافاتهم الكبيرة من جهة العلاقة بالدولة والمبادئ المؤسسة لها. إنه خيار استراتيجي ضروري كان تحققه مشروطا بوجود مقدمة ونتيجة متلازمتين: أمّا المقدمة فهي تذويب الاختلافات الأيديولوجية بين النخب الحداثية لتشكيل “جبهة” أيديولوجية ترى في محاربة النهضة -لا في خدمة الثورة- علّة وجودها، وهو ما يمهّد الطريق للتطبيع مع ورثة المنظومة السابقة باعتبارهم جزءا من “العائلة الديمقراطية”. وأمّا النتيجة، فهي تضخم الصراعات الهووية الثقافوية، وما يعنيه ذلك من تخفيف الضغط على النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة، وهي نواة جهوية، مالية أمنية، كان من مصلحتها استدامة الصراعات الأيديولوجية وتعميقها بين الإسلاميين والعلمانيين؛ لمنع تشكل “كتلة تاريخية” قادرة على القطع مع “الجمهورية الأولى” بمنطقها الجهوي الزبوني الأمني (في اشتغالها داخليا)، وبتذيّلها الاقتصادي والثقاقي للغرب (في علاقتها بالخارج).

من مكر التاريخ، كان أكبر حليف موضوعي للنخب الحداثية هو أكثرها بعدا في الظاهر عنها: أي الوهابية السعودية، بنظامها السياسي وبقواعدها المتقدمة في تونس. صوريا، كانت المملكة السعودية (وفكرها الوهابي بصورتيه العلمية والجهادية) هي النقيض الموضوعي والمفهومي للنخب الحداثية كلها، أما واقعيا فقد كانت السعودية هي أكبر حليف لها. لقد دفعت الثورة التونسية إلى مركز الحقل السياسي بحركة إسلامية ذات جذور إخوانية (أي حركة النهضة)، وكان ذلك يمثل خطرا مزدوجا: إنه خطر على النخب الحداثية وما يؤسس لمشروعيتها؛ من أساطير مدارها حماية “النمط المجتمعي التونسي” الذي يتمثل نفسه باعتباره مغايرةً تكاد تكون مطلقة للفضاء الحضاري العربي الإسلامي (بل الأفريقي)، وهو أيضا (أي الإسلام السياسي الإخواني) خطر “وجودي” على السعودية الوهابية التي كرّست نفسها زعيمة للإسلام السني. كانت السرديتان الحداثية والوهابية تشتركان في القول بالتعارض المطلق والنهائي بين الإسلام والديمقراطية، وكانت حركة النهضة -بل الفكر الإخواني بدرجات متفاوتة- تكذب هذه الخرافة الاستشراقية-الوهابية.

كان الخطر الإرهابي التكفيري، مضافا إليه الضعف البنيوي للدولة زمن الترويكا نتيجة الاستضعاف الممنهج الذي مارسته عليها الدولة العميقة ومختلف أذرعها السياسية والمدنية والأمنية، فرصة كبيرة استثمرتها النخب الحداثية، وجعلت منها مركز هجوماتها على حركة النهضة تحديدا. كان الخطر الإرهابي “الموضوع المتاح” الذي وظفته الخطابات “الحداثية لنسف الموضوع المقصود”، أي نسف تجربة الترويكا والتشكيك في أية شراكة طبيعية بين الإسلاميين والعلمانيين. وكانت الحاضنة الشعبية الكبيرة للنهضة (ومظلوميتها وعلاقاتها الإقليمية ومقبوليتها نسبيا لدى الرأي العام العالمي مقارنة بغيرها من الحركات الاسلامية، وقدراتها على المناورة وعلى كسر الصورة النمطية عن الإسلام السياسي في تجربتي الترويكا ثم التوافق رغم كل ما يقال فيهما) تزيد من إصرار النخب الحداثية وحليفها الإماراتي السعودي على إدارة الصراع بمفردات وجودية، لا سياسية. فنجاح النهضة، بعد إفشال الثورات المصرية والليبية واليمنية والسورية، سيضرب النموذج الوهابي الرافض لأي مصالحة بين الإسلام والديمقراطية أو العلمانية في مقتل، كما أن ذلك النجاح سيشكك في النموذج اليعقوبي اللائكي الفرنسي الرافض لإعادة تقسيم للسلطة والثروة على أساس ديمقراطي حقيقي؛ قد يهدد “القوة النوعية” للنخب بقوة “عددية” تمتلكها حركة النهضة.

يؤكد الاستهداف الممنهج لحركة النهضة، وإظهارها في صورة النواة الصلبة للنظام قصد تخفيف الضغط على ورثة المنظومة من القوى الشيو-تجمعية داخل النداء وخارجه، أنّ مشكلة النخب الحداثية، حتى اليسارية منها، ليست اقتصادية، بل ثقافية. فأغلب القوى التي تطلق على أنفسها صفة “القوى الديمقراطية” لا تظهر أي تعارض حقيقي مع النخب النيو-تجمعية، وهو ما يجعلها مجرد مجموعات وظيفية لها دور معين في خدمة النواة الصلبة لمنظومة الحكم، والتخفيف من حدة الضغط الشعبي عليها عبر شيطنة النهضة، وتحميلها مسؤولية الأزمة البنيوية لمنظومة متوارثة منذ الخمسينات، بل قبل ذلك التاريخ بكثير. ولعل أكبر مثال على ذلك هو الجبهة الشعبية التي ما زالت تمارس “المعارضة” -رغم كل مزايداتها على حلفاء الأمس- بمنطق التناقض الرئيس مع الإسلام السياسي والتناقض الثانوي مع البرجوازية الحداثية اللاوطنية. وهو منطق يجعلها واقعيا طابورا خامسا للنظام السابق، رغم كل ادعاءات الثورية والطهورية.

تتأسس مقاربتنا لموقف النخب الحداثية من حركة النهضة على يقين مداره أنّ ذلك الموقف الصدامي ليس مشدودا لأفق ثوري أو إصلاحي؛ بقدر ارتباطه بدوافع ارتكاسية “رجعية” لا ترفض الاعتراف بحصول ثورة ولكنها ترفض الاعتراف بمفاعيلها. فالقوى الحداثية تعي جيدا أن النهضة، حتى في صيغتها الحالية (أي بكل عيوبها وخياناتها وتوافقاتها)، ضرورية للانتقال الديمقراطي الذي سيقطع مع تراث الفساد والاستبداد. فالنهضة، وأقلية من القوى الديمقراطية المهمشة التي تجاوزت العداء المرضي للإسلاميين في الداخل والخارج، هي الجسم الوحيد الذي يمنع التحام عناصر المنظومة القديمة وعودتها الى مربع 13 كانون الثاني/ يناير 2011. كما أن النهضة، بكل عيوبها، هي الأقدر على بناء نموذج (قابل للتطوير والتعديل) لعلاقة شراكة وتعاون بين الاسلاميين والعلمانيين. ونحن على وعي بأنّ هذه الشراكة غير قادرة في السياقات الحالية على تغيير الكثير في تونس. ولكنها في المستوى الاستراتجي بعيد المدى؛ ستكون قادرة -لو كُتب لها النجاح- على تقديم نموذج قابل للتصدير لخيار تاريخي فعال في إدارة العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين، وبناء مشروع مواطني حقيقي، وهو مشروع يتخلق على مهل رغم كل الصعاب، ولكن يبدو أنّ الخاسرَين الأكبرين منه (أي النخب الحداثية الاستئصالية والمحور السعودي الإماراتي) لن يدخرا جهدا في إجهاضه؛ بحكم ما يمثله من خطر “وجودي” عليهما معا.

في صراعها ضد حركة النهضة، حاولت النخب الحداثية اختزال “المختلف” في الإسلامي. إذ “فُرض” التطبيع “المثلي” وغير المسلم والملحد والمتمرد على كل المقدسات الجماعية، كما حاولت بعد ذلك اختزال الإسلامي في الإرهابي، وتعميم وسم الإرهاب على الإسلاميين جميعا (فالإسلامي هو إرهابي بالفعل.. تكفيري وهابي- أو إرهابي بالقوة – إخوانجي نهضوي). ولم تكتف أغلب النخب الحداثية بذلك، بل نراها تصرّ على مقاربة الإسلام من منظور الاستشراق الأكثر عدائية للإسلام “في ذاته”، وليس فقط للإسلام السياسي. فالإسلام بعقائده ورمزياته وقيمه وتشريعاته هو قابل -حسب هذه القراءة- للتحول إلى قوة مولّدة للإرهاب، كما كان قبل ذلك قوة مولّدة للتخلف وللوعي الخرافي ومضادّة للتحديث على منهج الحركات الأتاتوركية التي تنتمي إليها البورقيبية. ونحن نجد هنا جزءا من المسكوت عنه في المطلب العلماني، أي في مطلب فصل الدين عن الدولة عند النخب الحداثية التونسية وغيرها. فالدين (أو النسق الثقافي الذي تسعى النخب إلى حصر الإسلام فيه) هو دين متخلف ومتعارض جوهريا مع قيم الحداثة، ومع قاعدتها الفلسفية ومنظومتها التشريعية.

ختاما، يعلم جميع الفاعلين الجماعيين، بإسلامييهم وعلمانييهم، أنّ هامش التحرك المسموح لهم في منطق استمرارية الدولة وما تلاه من رسكلة لمنطق المنظومة البائدة وأزلامها؛ هو أساسا هامش ثقافوي هووي. فالخيارات الاقتصادية الكبرى لم تتغير بعد الثورة، وبقيت رهينة المانحين الدوليين. وانحصرت مهمة النخب الحداثية -والنهضوية أيضا- بعد الثورة؛ على “إدارة التخلف والتبعية”، وليس على الخروج منهما أو حتى التخفيف من آثارهما على المجموعة الوطنية. ولذلك كان من الطبيعي أن تتضخم الصراعات الهووية الأيديولوجية؛ لأنها كانت ضرورية لحرف الأنظار عن الجذر الاقتصادي القيمي للأزمة، وعجز النخب المتصارعة كلها على تقديم حلول عملية لها. وهي ملاحظة تجعلنا نخلص إلى النتيجة التالية: إنّ وجود النهضة وما يضاددها من الجهة العلمانية هو شرط انتقالي ضروري لتكريس الديمقراطية والحريات الأساسية، وللتمهيد لكتلة تاريخية تتجاوز الاصطفاف على أساس أيديولوجي. ولكن وجود أغلب النخب الرسمية الحالية -بنهضوييها وغيرهم- يبقى وجودا “انتقاليا”؛ لأنه سيمهد للجمهورية الثانية، ولكنه لا يمكن أن يحكمها إلا “مؤقتا”. فالجمهورية الثانية تحتاج إلى نخب مواطنية اجتماعية، ستخرج من رحم الإسلاميين والعلمانيين بمن فيهم النهضة واليسار، وهي نخب يبدو أنها ستكون كالعنقاء التي تُبعث من رماد “الهويات القاتلة” يمينا ويسارا… لكن بأي ثمن؟

شاهد أيضاً

حفريات في الثورة

ناجي خويلدي الثورات هي لحظات كبرى في تاريخ البشرية، وأغلب الثورات بدأت بشرارة. منها ما ...

اترك رد