الخميس ، 16 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الديمقراطية والقدرة على إدارة الاختلاف شرط التجدّد

الديمقراطية والقدرة على إدارة الاختلاف شرط التجدّد

زهير إسماعيل

هناك نتيجة مهمّة يمكن أن نتبيّنها، وتوقعت أن تستخلص من النص، وتتعلّق النتيجة بمستقبل “اليسار” في تونس.
هناك رأي شبه عام، انتهى إليه مفكّٰرو اليسار، مع نهاية الثمانينيات (انقلاب بن علي)، وهي أنّٰ اليسار عاجز عن التجدّد.
ومع صعود الإسلاميين القوي في الجامعة وقيادتهم للحركة الطلابيّة التي قد تفضي مع الوقت إلى قيادة المركزية النقابية (مؤتمر الاتحاد بسوسة في 89)، صاروا يبحثون عن طوق النجاة فوجدوه في بن علي وانتهوا إلى أنّ خصمهم التاريخي هو التيار الإسلامي ممثلا وقتها في الاتجاه الإسلامي. فكان معظم اليسار الثقافي والإيديولوجي مع بن علي، وصاروا هم إيديولوجيو النظام، ولو كانت ذاكرة التونسيين قوية والثورة جذريّة لحوكم كثيرون باسم الثورة.

قبل هذا كان اليسار خصوم بورقيبة، رغم مساهمة كثير من رموزهم في بناء الدولة، وتوضحت الخصومة في نهاية الستينيات مع مؤشرات واضحة على تسيّس الفضاء الطلابي، وظهور خطاب سياسي وفكري شبابي يطرح طبيعة النظام السياسي والمرحلة، وحقيقة العلاقة بالصراع العالمي، وقضايا التحرر. وكان صدام مع الدولة البورقيبية في محاكمات بريسبكتيف والعامل التونسية…الخ
مع ظهور الاتجاه الإسلامي في نهاية السبعينيات، تغيّر الموقف، فصار معظم اليسار أشبه بـ”الاله الخفي للنظام”، وهو ما يعني أنّٰ ما لا يجرؤ عليه النظام في محاصرة عناصر الهوية الثقافية واللغوية للشعب يقوم بها اليسار، وما يعجز عنه اليسار في محاصرة خصومه السياسيين يتولاه النظام (منوبة 82 نموذجا).
مع بن علي نزع “الإله الخفي” قناعه، تشهد بلك لجان تفكير التجمع وقياداته في الصف الاول (زهير الذوادي من مؤسسي الوطد صار أمينا عاما مساعدا للتجمع،،،الخ وهذا مبحث يمكن تدقيقه إحصاء وجمعا وكتابة).

بعد الثورة، وبعد انتخابات 2011 التأسيسية عاد اليسار، في معظم تشكيلاته وخاصة حزب العمال والوطد، ليعودوا إلى دور “الإله الخفي”، دائما تحت تأثير الخوف من عودة الإسلاميين وهذه المرة في صلب الدولة (الإسلاميون بدورهم لم يقدروا على إخفاء المخيف فيهم)، فلعب جانب مهم من اليسار دور إعادة المنظومة القديمة فكانوا أول معارض لقانون تحصين الثورة وأصروا على أن يكون “إجراءً قانونيا” وليس “قرارا ثوريا” وكانت جبهة الإنقاذ، وكان اعتصام الرحيل، وكان قطع الطريق والانتصار للباجي. هذا كله كان باسم الثورة والانحياز للحداثة ومقاومة الظلامية (ثم الإرهاب).
وتمكن التجمعيون، رغم حلّ التجمع، من الحصول على صفة معارض أشهرا معدودات بعد أول حكومة منتخبة.

اليوم مرّت سبع سنوات، والذي مكٰن اليسار من أن يكون قوة فاعلة، وأن يعرف نوعا من التجدّد الحقيقي، وظهور حركات شبابية في محيطه، هو مناخ الحرية وما تأسس منها اللذان سمحا بأن يكون الصراع ديمقراطيا، وليس خدمة السيستام.
ففي مناخ الاستبداد، لا يمكن لهذا التيار أو ذاك ان يتجدد سواء كان في السلطة مواليا في ذلة أو في المعارضة محاصرا في قلٌة.
مناخ الحرية والديمقراطيّة هو وحده الذي يسمح للظواهر السياسية بأن تتجدّد.
ولو استقرّ الوضع منذ انتخابات 2011 التآسيسية، لكان التفرغ لبناء البلد المهدم، ولتحققت خطوات كبيرة في التنمية والتشغيل والرفاه وتحسين جودة الحياة، ولكانت شروط التجدّد لليسار نفسه أفضل، لأن حجم التحديات وعمق المشاكل سيفرض التداول السلمي على السلطة بواسطة الانتخابات (اختيار قوة سياسية أخرى بعد مرحلة التأسيس، ولا داعي الى سياسة كسر العظم والاستقواء بأجندات لا تخدم الوطن التي اتبعت)، وهو ما سيمكن الظاهرة من أن تتوسع في تفاعلها مع مفردات الواقع وأن تكون التحديات التنموية والاجتماعيّة وأداء الدولة والأحزاب والمنظمات حوافز أقوى على التجدّد وعلى ظهور حركات شبابية واجتماعية تمثل حاليا للتجربة، رغم ما يتوقع منها من حدة لا يمكن أن تغيب عن “شبيبة معولمة”.

هذه النتيجة، إذا كان هنالك من يلتقطها، ستكون انعكاساتها مهمة. فالديمقراطية وتأسيس الحرية هما الشرط الوحيد الذي تتجدد فيه الظواهر في إطار تداول سلمي على السلطة.
هذا لا مؤشر عليه اليوم، بل كأننا نستعيد أجواء 2013، مع دخول أجندات خارجية (إماراتية بالأساس) لها أنصارها في الداخل وفي المشهد السياسي، تستهدف التجربة الديمقراطية في ذاتها. ونجدد القول إن بعران الخليج (السعودية والإمارات) لا يستهدفون الإسلاميين إلا لاعتقادهم أنّٰهم أحد شروط تأسيس الديمقراطية نقيضهم الوجودي، ولو صار اليسار هذا الشرط في تونس لحاربوه باسم الإسلام وحماية عقيدة الامة.
لا منجاة إلاٰ بتأسيس الديمقراطيّة، وأمّٰا التنافي فلن يسعف أحدا، وفي أحسن الأحوال أن ينتهي أحدهما إلى “خادم السيستام” (الجبهة) والآخر “رهينة السيستام” ( النهضة)، ولا شيء يمنع من أن تصبح الرهينة خادما والخادم رهينة، والسيستام أموره هانية.

شاهد أيضاً

السبسي خيانة مؤتمن دستورية وخلقية

أبو يعرب المرزوقي لما انتخب السيد قائد السبسي -وكان اقل الشرين- اعتبرت عهده قد بدأ ...

اترك رد