الخميس ، 19 يوليو 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / مقعد ألمانيا أحدث رجّة سياسيّة ولا يعكس أيّ إنتخابات قادمة

مقعد ألمانيا أحدث رجّة سياسيّة ولا يعكس أيّ إنتخابات قادمة

عبد اللّطيف درباله

الدروس والإستنتاجات والعبر.. والأمل.. من نتيجة الإنتخابات الجزئيّة بألمانيا.
(مقال تحليلي شامل)

أحدثت هزيمة بعض الأحزاب الكبرى بالانتخابات التشريعيّة الجزئيّة على مقعد شاغر وحيد بألمانيا.. ومنها حزبان حاكمان هما نداء تونس وآفاق تونس.. مقابل فوز مرشّح مستقلّ (ياسين العيّاري).. رجّة سياسيّة لا تزال إرهاصاتها وتوابعها ترتجّ بها الساحة السياسيّة وتصريحات السياسيّين حتّى اليوم بعد حوالي أسبوع كامل من بدء التصويت الجمعة الفارطة.
وهذه أبرز الإستنتاجات والدروس والعبر التي يمكن إستخلاصها من إنتخابات ألمانيا لشهر ديسمبر 2017 قبل أقلّ من سنتين من الإنتخابات التشريعيّة والرئاسيّة المفترضة سنة 2019.. وقبل خمسة أشهر من الإنتخابات البلديّة القادمة في ماي 2018:

1. أنّ ضعف نسبة التصويت التي لم تتجاوز 5.02 بالمائة أي بمشاركة 1326 مقترعا فقط من أكثر من 26500 ألف ناخب بألمانيا يمكن تفسيرها ببعض العوامل الموضوعيّة مثل عدم أهميّة الإستحقاق الإنتخابي بالنظر إلى تعلّق الأمر بمقعد وحيد لن يغيّر شيئا من التوازنات والأغلبيّة بالمجلس.. خاصّة في جزء قصير من فترة نيابيّة متبقيّة بأقلّ من عامين.. وكذلك بسبب التخفيض من عدد مكاتب الإقتراع وبعدها الجغرافي عن مكان إقامة الكثير من الناخبين.. لكنّها تعكس بالتأكيد أيضا النفور العامّ من الإنتخابات الذي ساد أوساطا من الشعب التونسي بسبب النفور من رداء الساحة السياسيّة.. وصدمتهم من عجز وفشل الأحزاب السياسيّة عن إدارة وقيادة الدولة وتحسين أوضاع التونسيّين برغم إختلاف أطياف الحكّام المنتخبين من سنة 2011 إلى اليوم..

2. عجز الأحزاب الكبرى والمعروفة.. وحتّى الحاكمة حتّى عن مجرّد التعبئة بإقناع ناخبيها السابقين أو قواعدها وأنصارها المفترضين بالمشاركة في الإنتخابات والتحوّل لمكاتب الإقتراع والتصويت لها.. فحزب نداء تونس الحاكم الذي حصل في ألمانيا في إنتخابات سنة 2014 على أكثر من 3000 صوت.. لم يجن سنة 2017 إلاّ أقلّ من 300 صوت.. ربّما كانت نسبة منها هي أصوات أنصار حليفه المتوافق معه حركة النهضة..
كما أنّ أحزاب مشروع محسن مرزوق (11.12%) وآفاق تونس (4.21%) والجبهة الشعبيّة (3.54%) لم يستطع أبرزها الحصول على أكثر من 132 صوتا.. رغم أنّ حزب المشروع مثلا خاض حملة إنتخابيّة كبرى بألمانيا وصرف أموالا طائلة وتحوّل صاحبه محسن مرزوق بنفسه إلى ألمانيا لإعطاء الحملة زخمّا أكبر..

3. فوز مرشّح مستقلّ هو ياسين العيّاري في مواجهة أحزاب كبرى تملك “الشهرة” والمال وشبكة العلاقات والدعم الإعلامي الكبير.. مثل نداء تونس ومشروع تونس وآفاق تونس والجبهة الشعبيّة.. يدلّ على النفور العامّ للناخبين من الأحزاب عموما.. ومن الأحزاب المعروفة خصوصا.. والتي أثبتت فشلها في الحكم وفي المعارضة..

4. شبه إنتصار غير مباشر للرئيس السابق محمّد المنصف المرزوقي وحزبه حراك تونس الإرادة.. لكونهما يتمتّعان بعلاقة جيّدة ومعروفة بالمرشّح الفائز ياسين العيّاري.. وقد أعلنا منذ البداية بوضوح أنّهما يساندان العيّاري وسيمتنعان عن تقديم مرشّح لمقعد ألمانيا.. ودعوا أنصارهم بوضوح لانتخاب ياسين العيّاري..

5. نتيجة الإنتخابات الجزئيّة بألمانيا كانت صفعة للحزب الحاكم ولعائلة السبسي الحاكمة بالذات.. باعتبار أنّ إحداث الشغور بمقعد ألمانيا كان مقصودا ومتعمّدا في الأصل لإفساح المجال لترشّح حافظ قايد السبسي ابن رئيس الجمهوريّة ومدير الحزب الحاكم نداء تونس لدخول البرلمان ربّما تمهيدا لرئاسته في السنة البرلمانيّة المقبلة.. لكنّ الحملة الإعلاميّة والسياسيّة ضدّ حافظ السبسي.. وربّما خوفه من الهزيمة.. أرغمته على التخلّي عن الترشّح.. وقادت حزبه لاحقا لخسارة مهينة ليس بفقدان مقعده السابق في البرلمان فقط.. ولكن أيضا بفضيحة سياسيّة عبر إخفاق إنتخابي كبير ومهين أدّى إلى فوز معارض شرس وغريم للحزب الحاكم للفوز بالمقعد وهو ياسين العيّاري.. برغم أنّه مستقلّ ولا يتمتّع بإمكانيّات نداء تونس ولا أمواله ولا موارده البشريّة ولا دعمه الإعلامي الواسع ولا دعم حليفه النهضة.

6. عزوف أنصار ومنتخبي نداء تونس أنفسهم عن إعادة إنتخابه.. بل وعن المشاركة أصلا في الإنتخابات.. بما يعكس خيبة أمل كبرى لهم فيه..

7. أنّ أنصار حركة النهضة وقواعدها المعروفين عادة بحماسهم ونشاطهم المفرط في الإستحقاقات السياسيّة والإنتخابيّة الكبرى.. والمعروفين بإنضباطهم الحزبي.. خالفوا للمرّة الثانية سياسة قيادتهم المتوافقة مع نداء تونس الذي يمثّل في جوهره جزء من المنظومة السابقة لبن علي وبورقيبة.. فقد امتنعوا عموما عن التصويت لمرشّح نداء تونس كما دعتهم قيادتهم علنا وصراحة.. وآثروا الإمتناع تماما عن التصويت..
ويعكس تواضع عدد الأصوات التي حصل عليها ياسين العيّاري أنّ أنصار النهضة لم يساندوه ولم يصوّتوا له.. نظرا لميل هذا الأخير إلى انتقاد الحركة والحزب بشدّة وشراسة وأحيانا بخطاب عدوانيّ بالغ طيلة الأشهر الأخيرة..
وفي واقعة سابقة وعندما قرّرت حركة النهضة في الإنتخابات الرئاسيّة سنة 2014 البقاء على الحياد.. صوّتت الغالبيّة العظمى من قواعد النهضة لفائدة المنصف المرزوقي.. بل وشارك عدد كبير من كوادره وأنصاره في الحملة الإنتخابيّة للمرزوقي وفي مراقبة مراكز الإقتراع نيابة عنه وعن حزبه.
وهذه الواقعة الثانية في انتخابات ألمانيا.. تضع مستقبل حركة النهضة على المحكّ.. وتنبئ بتعمّق الشرخ بين إرادة وسياسة القيادة العليا والضيّقة للحركة وبين إرادة وتطلّعات وأهواء قواعد الحركة التي يبدو أنّها لا تزال تجد صعوبة في استساغة وهضم هذا التوافق مع بقايا نظام بن علي الذي يمثّل نداء تونس أحد أهمّ مكوّناته.. حدّ مطالبتهم بمساندته سياسيّا والتصويت له في الإنتخابات..

8. خلافا للمزاعم الصادرة عن تصريحات قادة الأحزاب المنهزمة في الانتخابات الجزئيّة في ألمانيا فإنّ قواعد وأنصار حركة النهضة لم يصوّتوا عموما للفائز ياسين العيّاري.. ولو فعلوا ذلك لكان عدد الأصوات التي حصل عليها أكبر.. ولكانت نسبة المشاركة في الإقتراع أعلى.. بالنظر إلى الأعداد المعروفة لأنصار النهضة بألمانيا..

9. إثبات جديد بأنّ الإعلام البديل المتمثّل أساسا في مواقع التواصل الإجتماعي والفايسبوك خاصّة يمكنها أن تقارع أجهزة الإعلام الكبرى التقليديّة من صحافة مكتوبة وإذاعات وتلفزات.. ويمكنها أن تحدث الفارق أحيانا..
فياسين العيّاري هو مدوّن معروف منذ ما قبل الثورة.. وقد زادت نسبة متابعته وشهرته بعد الثورة.. وشكّل له ذلك وسيلة دعاية ممتازة لشخصه وأفكاره بين الناخبين.. بما سهّل فوزه عندما قرّر فجأة خوض غمار الإنتخابات الجزئيّة بألمانيا..

10. كلّما بعد الناخبون عن تأثير وسائل الإعلام التونسيّة والبروباغندا التي تبثّها لفائدة أطراف سياسيّة معيّنة جلّها إمّا مرتبطة بالمنظومة السابقة للثورة أو معادية عموما للثورة وللتغيير.. كلّما ساعد ذلك في فوز المرشّحين المؤمنين بالثورة والمحسوبين عليها.. وذلك باعتبار إفلات المقيمين بالخارج (ألمانيا مثلا) من سيطرة و”دمغجة” الإعلام الموجّه في تونس.. (أحيانا لأسباب إيديولوجيّة وأحيانا لأسباب ماليّة).. وخاصّة منه الوسائل الواسعة الإنتشار مثل التلفزات والإذاعات..
وقد سبق ملاحظة نفس هذه النتيجة في إنتخابات سنتي 2011 و2014.. إذ ذهبت غالبيّة أصوات المهاجرين في الخارج إلى أحزاب وشخصيّات سياسيّة كانت معارضة لبن علي.. ومؤمنة بالثورة وقيمها.. وكمثال فقد صوّت أغلب المهاجرين في الإنتخابات الرئاسيّة عام 2014 للمنصف المرزوقي على حساب الباجي قايد السبسي.

11. ياسين العيّاري المعروف بخاطبه المباشر والشرس.. والذي يصنّفه البعض بالعدواني.. غيّر تكتيكة منذ أن قرّر خوض الإنتخابات للمنافسة على المقعد الوحيد الشاغر بألمانيا.. واتّسم سلوكه في نطاق حملته الإنتخابيّة بالجديّة والإنضباط.
وقد خاض حملة قويّة ومنظّمة ومدروسة على أسس علميّة وسياسيّة تشمل تكوين فريق إنتخابي من الشباب المتحمّس المؤمن بالثورة والمعارض للسلطة الحاكمة حاليّا.. ووقع تقسيم مختلف المهام بينهم.. وتمّ إنتداب عدد كاف من المراقبين بجميع مراكز الإقتراع وكان الوحيد الذي أمكن له ذلك مقابل أحزاب يفترض أنّها تفوقه مالا وبشرا.. وعمل بخطّة مدروسة.. واعتمد على الإنترنت للدعاية والتواصل.. وقام بعمل ميداني فاعل بتنظيم عدّة زيارات مباشرة لمدن ألمانيّة مختلفة وتنظيم لقاءات ونقاشات وجها لوجه بالعديد من الناخبين.. ولم يعتمد على مجرّد شهرته كمدوّن أو كمعارض للنظام أو كونه ابن ضابط الجيش الوطني المرحوم الطاهر العيّاري تقبّله اللّه شهيدا.. ولا على كونه “ثوريّا”.. ولم يكتف برفع شعارات ثوريّة جوفاء.. ولم يقدّم وعودا زائفة جميلة ومبالغا فيها.. وإنّما قدّم برنامجا إنتخابيّا وأفكارا ومقترحات قال أنّه سيسعى لتحقيقها كنائب.. معترفا في نفس الوقت بأنّه لن يغيّر من التوازنات بالمجلس لامتلاك المنظومة الحاكمة للأغلبيّة.. ولكنّه وعد بأنّه فقط سيحرّك المياه الراكدة.. ويدعم أصوات المعارضة بالبرلمان..

12. بعض الأحزاب المساندة للثورة والمؤمنة بضرورة التغيير والمعارضة للمنظومة الحاكمة التي هي إمتداد للمنظومة السابقة ربّما أخطأت بتقديم مرشّحين في الإنتخابات عوض التكتّل والتوافق على مرشّح واحد بما أدّى إلى تشتّت الأصوات في ما بينها.. بشكل كان سيسمح غالبا بفوز أحد أحزاب المنظومة الحاكمة.. لولا إحداث ياسين العيّاري للمفاجأة بفارق ضئيل جدّا بلغ 31 صوتا فقط..
وهو خطأ يجب أن لا تقع فيه الأحزاب المساندة للثورة لاحقا في الإنتخابات القادمة.

13. حزب التيّار الديمقراطي الذي يعدّ أحد أبرز أحزاب المعارضة في البرلمان رغم أنّه لا يملك إلاّ ثلاثة مقاعد فقط.. أصرّ بدوره على الدخول بمرشّح للتنافس في إنتخابات ألمانيا.. وساهم بذلك في تشتّت الأصوات بين المرشّحين المعارضين للمنظومة الحاكمة وكاد أن يحرم المعارضة من مقعد إضافيّ في البرلمان سينضمّ غالبا وبالتأكيد إلى نفس الكتلة التي يمثّلها التيّار الديمقراطي.. ممّا يدعو هذا الأخير إلى ضرورة التفكير جيّدا في خياراته وفي حسن التنسيق مع الأحزاب المماثلة له.. حتّى لا يستفيد المنافسون من الإنقسام..
لكنّ ما ربحه حزب التيّار الديمقراطي في الواقع هو التأكيد على الصعود النسبي لأسهمه لدى الناخبين مقارنة بإنتخابات 2014 بفضل جهود قياداته وبروز رموزه كأقطاب للمعارضة في السنوات الأخيرة وخصوصا محمّد عبّو.. وسامية عبّو التي أصبحت الصوت الأبرز بالبرلمان..
فقد حصل التيّار على نسبة 11.73 بالمائة من الأصوات ليحلّ في المرتبة الثالثة متفوّقا على أحزاب مشروع محسن مرزوق وآفاق تونس والجبهة الشعبيّة.. وحاصلا على حوالي نصف أصوات الحزب الحاكم نداء تونس رغم تمتّع هذه الأخير بمساندة قيادة النهضة له وبأصوات قلّة من منتسبيها بألمانيا.. ورغم الدعم الإعلامي الذي يتمتّع به النداء والمشروع وآفاق والأموال التي أنفقوها وتعاونهم مع المنظومة التجمعيّة السابقة بالمهجر.. وخصوصا النداء الذي يعدّ القيادي به رؤوف الخمّاسي المقيم بألمانيا أبرز محرّكيها.

14. نتيجة إنتخابات ألمانيا أكّدت عدم جاهزيّة أغلب الأحزاب السياسيّة لخوض الإنتخابات البلديّة القريبة خلال أشهر.. وهي تبرّر رغبتها في تأجيلها خوفا من هزيمتها وكشف ضعفها السياسي وتدنّي شعبيّتها.

15. أبرزت الإنتخابات الجزئيّة بألمانيا أنّ توحّد وإنتظام الأحزاب والقوى والشخصيّات السياسيّة المعارضة والمساندة للثورة.. وعملها معا بطريقة منهجيّة وعلميّة منظّمة وفاعلة وناجعة.. يمكن بالفعل أن تحدث لها الفارق وتؤمّن لها الفوز ولو بصورة نسبيّة محترمة مع القوى السياسيّة التي تعادي الثورة وترتبط بالمنظومة السابقة وتتمتّع بدعم القوى التجمعيّة السابقة واللوبيّات القويّة وبالدعم المالي الوفير وخدمة الإعلام الفاسد ومساندة القوى والدول الأجنبيّة..

16. هزيمة الأحزاب الكبرى الممثّلة للمنظومة الحاكمة والمعروفة بمعاداتها للثورة وقيمها مقابل فوز مرشّح مستقلّ لقي الدعم من أغلب الشخصيّات والقوى السياسيّة المساندة للثورة.. يعكس بوضوح بأنّ الثورة لم تمت في وجدان وأذهان وقلوب التونسيّين.. وبأنّ الرغبة في التغيير باقية وحيّة لدى غالبيّة الناخبين..
لكنّ الرسالة هي أنّ رفع الشعارات الثوريّة لم يعد يكفي أو يجدي بمفرده.. وإنّما يحتاج الفوز بالإنتخابات إلى ممارسة عمل سياسيّ صحيح ومنظّم.. وجريئ وشجاع وقويّ.. وخوض حملة إنتخابيّة فاعلة وذكيّة..

17. أنّ نتائج الإنتخابات الجزئيّة التشريعيّة لمقعد وحيد بألمانيا التي جرت مؤخّرا تتمتّع على الرغم من كلّ ما سبق ذكره بخصوصيّة مكانيّة وزمانيّة وظرفيّة.. وهي وإن كانت تحمل في طيّاتها الإستنتاجات والرسائل السابق ذكرها وشرحها.. فإنّها قد لا تعكس تماما وبالضرورة نتيجة مفترضة متطابقة تماما لأيّ إنتخابات عامّة قد تدور بتونس اليوم.. أو مستقبلا..

شاهد أيضاً

صرت أنسى كثيرا…

عبد اللطيف علوي على أعتاب الخمسين، بدأت الحياة تأخذ شكلها الحقيقيّ والنّهائيّ: ثقب أسود ضخم ...

اترك رد