الإثنين ، 23 يوليو 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / كيف أضعف حصارُ قطر الدور السعودي عربيا ؟

كيف أضعف حصارُ قطر الدور السعودي عربيا ؟

محمد الجوادي

تقتضي إجابةُ السؤال الوارد في العنوان التأملَ في أهم سمة من السمات الحيوية الكامنة التي أدت -طيلة ثمانين عاما (1932 – 2012)- إلى المحافظة على مساحات عربية واسعة لما يمكن أن يسمى الدور السعودي، ثم ما أصاب هذا الدور من هزات غير زلزالية طيلة خمس سنوات (2012-2017)، وصولا إلى مرحلة الوهن القابل للشفاء أو التلاشى القابل للاستعادة، وذلك تمييزا عن المرض غير القابل للشفاء أو التلاشي غير القابل للعودة.

ربما يعجب القارئ من تقريري أن سحر الغموض كان هو العامل الأهم في تكوين وصياغة قوة الموقف السعودي. لا جدال في أن الدور الذي يلعبه سحر الغموض هو دور ذكي إلى أبعد حدود الذكاء البشري، لكنه يتطلب تدريبا شاقا على التمرس بدرجات عليا من ضبط النفس ولجم اللسان والتظاهر بالغياب عن موقع الحدث.

هذا مع تضفير هذا كله في مرحلة تالية (وليس آنية) بالحديث اللاحق عن أن المملكة لا ترضى بالظلم ولا بالقتل ولا بالاعتداء ولا بالافتراء، كما أنها ترعى حدود الشرع الشريف وتحمي أرواح المسلمين الأبرياء.

طوال عقود مضت؛ ساعدت روح الحياة المضطربة أو المنفعلة بحالات الوضوح في التوجهات الانفعالية الحالة (خاصة في مرحلة الحرب الباردة ثم معقباتها) على استثمار السعودية لسحر الغموض، وذلك بالاعتماد المتكرر على ما أتيح لها من تكوين فكرة مسبقة عن توجهها إلى تكرار سيرها المتعقل في فلك سياسات المحور الأميركي/الغربي.

واقترن ذلك مع حفاظها على حدود معقولة من الصورة الكفيلة بإقناع المسلمين باتساقها المبدئي مع دورها المتوقع منها، كدولة مسلمة كبيرة المساحة وفيرة الموارد تتمتع بمكانة روحية مستمدة من وجود المشاعر المقدسة في إطار حدودها الجغرافية. كما تتمتع بتطلعات مشروعة نحو قيادة العالم الإسلامي عبر منظمات سعودية المنشأ أو الرعاية كرابطة العالم الإسلامي أو منظمة التعاون الإسلامي.

بيد أن طابع التأثير في الحياة السياسية تغير بعد أن تحقق انتقال السطوة في عصر الإعلام الجديد إلى سلطات غير تقليدية، ومن سوء حظ الدبلوماسية السعودية أن هذا التغير اللامحسوب سعوديا كان كفيلا بأن يسحب (أو يسلب) من سحر الغموض القدرَ الأكبر من قدرته على التأثير.

حتى إنه إذا جاز لنا أن نقيّم الأثر بطريقة رقمية تقريبية؛ فإنه يمكننا القول بأن الإعلام الجديد قد تكفل بفقدان سحر الغموض لأكثر من ٩٥% من قوته السابقة؛ وهكذا فإن السلاح الأقوى في ترسانة الأسلحة السياسية والدبلوماسية السعودية بدأ يفقد حدته ومضاءه وقدرته تدريجيا، وأصبح لزاما عليه أن يتحول (على نحو ما حدث في تاريخ الجيوش) من سلاح للفرسان إلى سلاح للمدرعات.

لكن مكتسبات هذا السلاح على مدى ثمانين عاما سابقة كانت لا تزال بالطبع باقية، وتمثل رصيدا إيجابيا للسياسة السعودية، ولم يكن أحد يتوقع -حتى في أسوأ الظروف- أن يتبدد هذا الرصيد بسهولة، فلما جاء قرار السعودية بالاشتراك في حصار قطر حدث ما لم يكن في حسبان أحد (بما في ذلك قطر والسعودية)، وإذا بهذا الرصيد السعودي المؤمن و المؤمن عليه يتبدد عربيا في سبعة محاور.

تمثل المحور الأول في انتهاء فكرة الخليج الواحد؛ فإذا الخليج بين عشية وضحاها: يمين ثلاثي ويسار ثلاثي، وإذا الماضي المغطى منذ 1981 بمجلس التعاون الخليجي يبدأ في كشف الأستار عن الخلافات الدفينة، وإذا الحروب القديمة تُستدعى، وإذا الخلافات القبلية تنفخ الروح في الرماد الحي والميت على حد سواء.

ومن العجيب أن بعض سلطات السعودية ومؤسساتها كانت هي نفسها التي تنجز أعمال الهدم بهمة غير معهودة. وهو موضوع يطول تحليل خلفياته وحساباته وعلاقاته ونتائجه.

وتمثل المحور الثاني في كشف الحجاب عن علاقة السعودية بالكيان الصهيوني بطريقة لم تؤذ السعودية وحدها، وإنما آذت تلقائيا فكرة الحجاب السياسي الذي لم يعد له محل من الإعراب في عصر تخلى مضطرا عن سحر الغموض؛ وهكذا جاء حصار قطر ليؤكد كل الشكوك التي راودت المراقبين تجاه ما كانوا يرونه من غرابة الإلحاح السعودي على نقل تملك تيران وصنافير إلى السعودية. وهو أيضا موضوع يطول تحليل أوجهه وتناقضاته.

تمثل المحور الثالث في عجز السعودية عن إثبات الولاء الحقيقي لأهل السنة في سوريا، أو فلنقل الولاء للثورة السورية؛ وذلك في ظل حديث السعودية الصريح عن دوافعها الغامضة في التراجع عن توجهاتها الكبرى، وهي دوافع لم تكن معروفة للعامة قبل خلافها مع قطر، وهي دوافع كان لا بد من لجوء مفتعل إليها كتبرير للهدف من حصار قطر أو من عقابها.

وعلى غير ما هو متوقع؛ جاءت الاستجابة السعودية لتوريطات قوائم أعدتها السلطات الانقلابية لتكشف بلا مواربة عن أن السعودية لم تكن جادة -ولو بقدر معقول- في تخليص السوريين من معاناة الحرب التي فُرضت عليهم فرضا، من قوى معادية للسعودية في المقام الأول أكثر مما هي معادية للسوريين الأحرار.

وأنها ورطت كثيرا من السوريين -إن لم يكن ملايين منهم بوعود المساندة التامة، مع التوقف عن تقديم هذه المساندة في أوقات حرجة تحت دعوى الخوف من الاتهام بدعم الإرهاب.

وهكذا فإن السياسة والدبلوماسية السعودية تطوعت -في ظل الاندفاع إلى تبرير حصار قطر- فأهدت لأعدائها من الأدلة على عدائها لطوائف كثيرة من أهل السنة ما كانوا يحتاجون إلى جهد سنوات طويلة من أجل إثباته أو البرهنة عليه بالقرائن والوثائق والشهادات.

وتمثل المحور الرابع في معالجة السعودية المبتسرة لموقفها من حزب الله في لبنان؛ وحتى هذه اللحظة، فإن السعودية خسرت ما لم تكن في حاجة إلى التضحية به على هذا النحو، كما خسرت ما كان ممكنا لها أن تكسبه بسهولة.

وتمثل المحور الخامس في العصبية التي أرادت السعودية التعبير بها عن اختلافها مع قطر في اليمن؛ وبقدر ما رفعت السعودية عن كاهل قطر كثيرا من إصر وزر سلبيات التورط الخليجي (أو التحالفي) في حرب اليمن، فإنها ساهمت في إدانة الدور السعودي المستقبلي في صناعة التوجه السياسي باليمن.

بل إن الدور السعودي الراهن أصبح اليوم مطالَبا -وبإلحاح لا يحتمل أي تأجيل- بإثبات نجاحه السريع، بعد أن انحصر الأمر في يده وفي يد الحليف الإماراتي كنتيجة لحصار قطر، ومن المؤسف للعرب أن مثل هذا النجاح يبدو بعيدا في ظل ضعف الأداء السعودي عسكريا وإستراتيجياً.

هذا فضلا عما ارتفعت وتيرة الحديث الدولي عنه من ارتفاع الكلفة الإنسانية والصحية للوجود العسكري السعودي الإماراتي باليمن، وهي مأساة تبنتها الآن قناة الجزيرة بوضوح تام كما كان عهدها فيما كانت تتناوله من موضوعات، لم تكن مضطرة فيها إلى أن تراعي في مقاربتها لها الحساسيات السعودية الملحة.

تمثل المحور السادس في موقف السعودية من حركات التحرر الوطني ومن حركات المقاومة، فعلى حين عاشت السعودية -منذ الستينيات- في ذلك الجو الموحي بالاعتراف لها بالدعم السخي لحركات التحرر الفلسطيني، إذا بها تدمر هذه الصورة فجأة وبدون مبرر حقيقي مستحق للمغامرة، وإن كان هناك بالطبع مبرر لا يمكن تجاهله ولا تجاهل قوته مهما كان بعيدا عن المنطق والحكمة.

وقد انسحب هذا التدمير إلى الماضي ليصور السعودية -في دعمها السابق- وكأنها مجرد تاجر ذكي، كان يؤمّن بضاعته ومصالحه من الضربات الفدائية المتوقعة -من بعض ناشطي حركات التحرر- لآبار البترول أو خطوط أنابيبه، بعد ما حدث في الخمسينيات من تجربة مبكرة كانت مؤثرة في العقلية السياسية السعودية إلى أبعد الحدود.

وتمثل المحور السابع في قلب القضية وأسّ الخلاف وذروة سنامه، على حد ما تقوله التعبيرات البلاغية العربية المنحوتة؛ وهو الموقف من الربيع العربي والثورة المصرية على وجه التحديد.

ومن الإنصاف أن نذكر أن السعودية -والفضل لسحر الغموض- كانت قد تحركت في مواقفها من الثورة المصرية وثورات الربيع تدريجيا وبسلاسة، من التحفظ المقبول إلى التحفظ المعقول، إلى الحياد المزعوم إلى الانتقاد المكتوم، فالخلاف المُستدعى فالعداء السافر.

وهو ما يمكن تلخيص تطوره على نحو موجز آخر لكنه أكثرتفصيلا: فقد بدأت السعودية بالتحفظ المقبول في ظل ترديد عبارات الأعراف الدبلوماسية التي تعلن أنها تحترم الشؤون الداخلية لكل بلد، وتتمنى للجار أو الشقيق سرعة الاستقرار بعيدا عن دعاوى التخريب وتدمير المكتسبات، وما إلى ذلك من الصيغ الملمحة إلى التذكير المهذب بالآثار السلبية لأية ثورة.

ثم انتقلت السياسة السعودية إلى التحفظ المعقول عبر تصريحات ميالة إلى الاستنكار الواضح، والمستند إلى القول بتبني التقاليد العربية أو الفروسية، وهو ما يبلوره التصريح الذي مرره المسؤولون في عصر العسكر عن سؤال الملك عبد الله بن عبد العزيز لهم عن ذاكرتهم، وهل بلغ الأمر بها أنها لا تحتفظ للرئيس حسني مبارك بأي منجَز يحول بينهم وبين تعريضه للسجن والمحاكمة والاتهام ثم التجريم.

وجاءت المرحلة الثالثة متمثلة في الحياد المزعوم الذي عبرت عنه كلمات الملك ووزير الخارجية السعودي، في لقاءات الرياض التي شرف كاتب هذه السطور بحضورها. ومع أن المبادرة جاءت من المصريين؛ فإن السعوديين اعتبروها منصة للتعبير عن ذاتهم، ولم ينتهزوا الفرصة لا للاستماع ولا للحوار.

وكأنما كان هذا يمهد لما بدا إعلاميا وبسرعة في صورة انتقادات مكتومة، تعبر عن نفسها بفتور أقرب للبرود المناقض تماما للدفء التقليدي في العلاقات المصرية السعودية، ثم فيما أعقب ذلك من الحرص الإعلامي على استحضار أي خلاف ممكن مع القيادات المصرية في الجمهورية الثانية.

وهو ما قوبل بدرجات قصوى من التعقل الذي اتضح للمصريين أنه لم يكن مناسبا، نظرا لما تلاه من مشاركة السعودية الفاعلة في إسقاط الحكم الديمقراطي، والعودة بمصر -بإلحاح قاسٍ وبتمويل مفرِط- إلى مربع حكم العسكر.

ومن العجيب أن أحدا -مهما أوتي من قدرة البيان والتعبير- لم يكن ليستطيع تصور تطور الموقف السعودي من مصر على هذا النحو الصريح، لولا ما تبرعت به التصريحات السعودية نفسها في ظل تبريرها لحصار قطر، بأنها لم تلتزم بما كانت السعودية تعتقد أنها ستلتزم به في إطار وأد حكم الشعب والربيع العربي، تحت دعوى الخلاص من طائفة لها ماض سياسي (ليس فيه ما تعارض مع السعودية ولو لدقيقة واحدة)، وهي جماعة الإخوان المسلمين.

المصدر : الجزيرة

شاهد أيضاً

كوكايين الممانعة.. قصة حزب الله وكارتيلات المخدرات العالمية

عارف عبد البصير تقديم تتوغل هذه المادة في عالم شبكات حزب الله المالية العالمية المعقدة ...

اترك رد