الإثنين ، 22 يناير 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / أبناؤنا وأمريكا…

أبناؤنا وأمريكا…

نور الدين الغيلوفي

كان يدرس معنا، في مرحلة التعليم الثانوي بالمعهد الثانوي بالحامّة في ثمانينات القرن العشرين، زميل لنا يلبس قميصا مصنوعا من قطعة قماش عليها علم الولايات المتّحدة الأمريكية..

وكنّا لا ندّخر جهدا في رجمه، المسكين، بأقذع الشتائم ولا ننتهي نهاجمه بشتّى النعوت.. وكان لا يملك لردّ هجوماتنا شيئا غير ابتسامة عاجزة كنا نقرأ فيها عناده فيزداد حنقنا عليه.. كنّا نردّد وقتها (أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا) وكنّا نكره كلّ شيء يشير إليها.. فهي الامبريالية عند بعضنا وهي الشيطان الأكبر عند بعضنا الآخر وهي إلى هذا وذاك حليف الكيان الصهيوني الذي يغتصب فلسطين أرض العرب والمسلمين.. وقتها كان لا فرق عندنا بين الحليف والحليف.. فكلّ هؤلاء أعداء للأمّة وللإنسانية وللحقّ والخير والجمال.. بعد ذلك بسنوات عديدة عذرت زميلي وقد عرفت أنّ قميصه ذاك كان من نوع اللباس المستعمَل (Fripe)، إن كان يستطيع أن يستبدله لبعض الوقت، فإنّه ما كان يملك أن يستغنيَ عنه نهائيا…

دارت عجلة الزمن وفقدت الأسماء معانيها في النفوس والعقول.. ورغم أن الامبريالية زادت شراستُها وطالت أذرعها وغمست في أمّتنا أخطر سمومها إلّا أنّنا لا نستنكف من تقليد تقليعات “المارينز” الأمريكي.. ينتهكون بأحذيتهم أرض العراق ونحن لا نرى منهم غير نوع حلاقتهم نقلّدها ولا نخجل.. وصار “الهمبرغر” الأمريكي غذاء لنا والنمط الأمريكيّ حلما لشبابنا.. تهشّمت تلك الـــــ(نحن) التي كانت تدعونا إلى التنافس في معاداة الأعداء.. لم نصر إلى ما صاروا إليه ولم ننجح في اللحاق بنمطهم المتغلّب.. وزاد دعمُهم للكيان الصهيوني الذي لا يزال يغتصب أرضنا وزادا عدوانهم علينا تصريحا لا تلميحا.. أمعنوا في احتقارنا وركبوا ظهور من ركبونا.. فكانت شعوبنا مركوبة مرّتين: مرّة من حاكم جائر يحرس مصالح الاستعمار فينا ومرّة أخرى من ثقافة غازية تمعن في تلويث أجهزة مناعتنا وتهشّم ما أنفقنا العمر في جمعه من عزم لردّ غائلتها عنّا…

كان قميص زميلي لباس اضطرار.. ولكنّ أبناءنا صاروا يختارون أن يسيروا وعلى ظهورهم علم أمريكا يحملونها بجميع المعاني.. أمريكا التي لم يفعل بنا غيرُها ما تفعله بنا صارت زينة نخرج بألوانها…
أمريكا اليوم تجدّد وعدها للكيان الصهيوني وتمعن في سحق ما تبقّى لنا من أمل.. أمريكا تعد بما لا تملك لمن لا يستحقّ.. على ظهور أجيالنا.. ونحن نضحك.. وهم يضحكون من جهلنا…

شاهد أيضاً

شهداء للإيجار !

عبد اللطيف علوي من حين لاخر تتصل مصالح الداخلية بشخصيّة ما لتخبرها بوجود تهديدات جدّيّة ...

اترك رد