الجمعة ، 15 ديسمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / بـابـا مـــــات

بـابـا مـــــات

ليلى حاج عمر

حين دخلت البيت ووجدت عصفوريه اللذين يحبّهما ويدلّلهما ممدّدين في القفص بلا روح أدركت آنذاك أنّ أبي قد مات فعلا. ماتت عصافيره في اليوم السّابع بعده. قبل ذلك غادرت قطّته البيضاء البيت يوم الدّفن ولم تعد إلّا يوم الفرق. عادت تدور في البيت وتموء بقوّة وقد علق بشعرها الأبيض تراب نديّ. أمّا سلاحفه فاختبأت تحت العشب في الحديقة ودخلت في موتها الشّتوي. وظلّت الأعضان الطّويلة المتعانقة حزنا في السّور دون تشذيب تعلن أنّ أبي الذّي كان يرتّب حياتها بحنوّ قد مات.

بقيت زمنا أنظر إلى عصافيره الصّامتة صمتا أخيرا. كان يهيّئ لها كلّ يوم الماء ويقدّم لها الطّعام وينظّف لها القفص ويخرجه إلى الشّمس نهارا ويدخله قبل الغروب ويسمعها الموسيقى وهو يضعها ليلا بجانبه فيزداد تغريدها ولا تصمت إلّا مع انطفاء الضّوء.
لقد ماتت.
انسحبت من البيت بهدوء. غادرت من الباب الخلفي وتركت السيّارات راسية أمام البيت وكانت السّماء تبكي وكنت أبكي معها بصمت وأمسح ماء السّماء المالح العالق في شفتيّ. في ظلمة المساء الأولى سرت على غير هدى وتحوّل رذاذ المطر إلى وابل لكنّي كنت سعيدة أنّ دموع السّماء التي تسيل على وجهي كانت تخفي دموعي عن أعين العابرين المتطفّلة ولم أعد أحتاج أن أغطّي وجهي بالغطاء الأسود الذّي أحمله على رأسي كي أخفي بكائي. رفعت وجهي إلى السّماء وتركت الماء يمتزج بالملح في دمي. وسرت. وحدي سرت.
حين تسير وحدك تحت المطر تبكي فهذا يعني أنّ أباك قد مات.
وتهت وأنا أمشي. وجدت نفسي أتّجه إلى طريق رادس ولم أجد مكان العبور بين بومهل والزّهراء. نسيت موضع الفلّة الصّغيرة التي فتحت تحت القنطرة الكبيرة المسيّجة التي تشاد منذ أشهر على الطّريق الرّئيسي. لم أجد مخرجا وأنا أحاذي القنطرة . فقدت الاتّجاه.
حين تفقد الاتّجاه فهذا يعني أنّ أباك قد مات أيضا.
عدت على أعقابي وقد تبلّلت كعصفور فاجأه الهطل. كانت امرأة وابنها الصّغير قد تفطّنا إلى بكائي وتيهي فأرياني المنفذ. عبرته. واعترضتني في الجانب الآخر أضواء السيّارات المسرعة بجنون وكان لا بدّ أن يساعدني شابّ لمح عيوني على أن أمرّ دون أذى.
في الشّارع الكبير المؤدّي إلى الزّهراء سرت. لم أعبأ بالبلل ولا بالهطل ولا بالأعين التي قد تراني. كنت أراهما. أرى العصفورين الممدّدين داخل القفص بلا روح: أبي وأخي.
من الضّباب الذي في عينيّ رأيته يسير في الشّارع. نفس الشّارع. يحمل محفظته الكبيرة المصنوعة من الجلد الخالص ويتّجه إلى مدرسة شارع الجمهوريّة حيث قضّى عقودا يدرّس هناك. كان يحرص دائما على أن يرتدي بدلته الأنيقة وربطة العنق وهو يسير إلى قسمه. كان العمل لديه مقدّسا وأذكر أنّه ظلّ يعدّ مذكّراته ويقتني النّشرة التربويّة إلى أخر يوم في عمله. رأيته أمامي بقامته المهيبة ورأسه الذي يخفضه قليلا وأدبه الجمّ. وتذكّرت. نذكّرت ما كتبه تلامذته الذّين صاروا كبارا الآن عنه يوم وفاته في إحدى صفحات المدينة. وتساءلت كيف يمكن لتلميذ ألّا ينسى معلّمه الذي درّسه منذ أربعين سنة أو أكثر؟.
وددت أن ألحق به وأن أقول له: هل تعبت يا أبي؟ كيف حالك الآن يا أبي؟ أنا ليلى يا أبي.
لكنّي تذكّرت أنّه لم يعد يعرفني في أيّامه الأخيرة. ولم يعد قادرا على إجابتي.
حين لا يجيبك أبوك.. حين يدخل مدن الصّمت.. فهذا يعني أنّه قد مات حقّا.
أعادني آذان العشاء إلى رشدي فشكرت الله الذي يعيدني كلّما ضللت وبحثت عن الطّريق. كانت المطر قد خفتت وصار الرّذاذ على وجهي لذيذا ونقص الملح فيه.
في إحدى المنعطفات وجدت صفّا طويلا أمام مخبزة. كانت ليلة المولد وكان الحديث عن الخبز والعصيدة. وكان قلبي خبزة منفطرة. لم أكن أحتاج خبزا. كنت أحتاج فقط أبي. لو كان حيّا لسأل عنّي ولتفطّن إلى خروجي خلسة ولشعر بتيهي.
ذكّرني مشهد الناس القابضين على الخبز أحداث الخبز وتداعت ذكريات النّقاشات السّاخنة في البيت وجريدة الرّأي يحرص أبي على اقتنائها ومقالات نزيهة رجيبة ومنصف المرزوقي والهاشمي الطرودي وأحمد حرمل وحربوشة محمّد قلبي التي كان يقرؤها على الجميع بصوت مرتفع مبتسما. كان أبي يشكّل بطريقته وعينا السياسي منذ البداية. كان يعلّمنا أن نقرأ. كنّا نسمعه يحدّثنا عن شيوخه في الزّيتونة وعن الإضرابات التي كان يقوم بها طلبة الزيتونة وعن الطّاهر الحدّاد ومحمد الطّاهر بن عاشور وتحرير المعنى السّديد وتنوير العقل الجديد و “أليس الصّبح بقريب” ومحمد علي الحامي وابو القاسم الشابي وفرحات حشّاد وعن طه حسين العقلاني الأصيل وعباس محمود العقّاد وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي يردّد:
أيّها الشّاكي وما بك داء ** كن جميلا تر الوجود جميلا
ولكنّ شغفه كان خاصّة بأبي العلاء المعري ولزومياته وبرسالة الغفران وخياله وبإيمانه بالعقل ونظرته النّقديّة إلى العالم.
هل صحيح أنّني حين أدخل المرّة القادمة لن أسمع أبي يردّد:
قلَ الثقاتُ فما أدري بمن أثقُ ** لم يبقَ في النّاسِ إلا الزّورُ والمَلقُ
ألن يحدّثني عن كبار فلاسفة العالم بدءا بأرسطو وصولا إلى نيتشه والاعتقادات الراسخة التي هي أعداء الحقيقة؟ وعن كبار الكتّاب مثل تولستوي ودويستوفسكي وعن الجريمة والعقاب والاخوة كارامازوف؟
ألن نجلس لنسمع الستّ أمّ كلثوم كما يفعل كلّ ليلة طوال سنوات تغنّي: أغدا ألقاك؟
حين لا تلقى أباك في الغد فهذا يعني أنّ أباك قد مات.
وحين تجتمع كلّ الأحزان في حزن واحد فهذا يعني أنّ أباك قد مات.
كنت قد بلغت البيت. مرتجفة. نظر إليّ ابني. سألني عن حالتي. قلت له: بابا مات. اليوم فقط تأكّدت أنّه مات.

شاهد أيضاً

تونس الثورة وما بعدها: في حيرة محنة السياسة

نور الدين الختروشي يبدو أن أزمة السياسة في تونس ما بعد الثورة تتعمق مع مرور ...

اترك رد