الإثنين ، 11 ديسمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي

1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح خفاياه.. وللثورة فعل كفعل المطر، على قدر مزاياه له آثاره الجانبية الموجعة: فضح عوار العمران وكشف استفحال التهافت.. ومن مزايا الحرية أنّها تمكّنك من رؤية ما لم تكن ترى.. وقديما قال سقراط: “تكلَّم حتّى أراك”.. ونحن في تونس نحتاج منسوبا أعلى من الحرية حتى يرى كلُّنا كلَّنا ونخرج من رحلة ما كنّا فيه من العمه ونكتشف حقيقة ما كان أعظم عندما يخرج كلّ منّا كوامنه ويبوح ببنات أفكاره بعيدا عن كلّ رقابة…

2. لم يعد الخطاب هو تلك الفخاخ التي ينصبها بعضنا لبعض لمدافعة فكرة أو للدفاع عن أخرى باعتماد الاستعارات حمّالة الأوجه مخافة أن تدرك أذرع السلطة فحوى المقال.. وصار بوسع الناس أن يتكلّموا فيكشفوا عن أفكارهم بلا خشية من الرقيب.. وذلك في حدّ ذاته مفيد لتنقية المناخات ولو بعد حين.

3. أنت حرّ.. وأنا حرّ.. ولكن ما هو الحدّ الذي تقف عنده حريتك أنت حتّى لا تفقدني أنا حريتي؟ ذلك سؤال نحتاج أن نتكلّم أكثر لنعرف جوابا له..
شاهدت حوارا بين ممثّلة تونسية شابّة تدعى جوليا وبعض الوجوه الإعلامية التي تطفح بها بعض القنوات التلفزيونية فرأيت هرسلة للحرية مرعبة من أشخاص يُفتَرَض أنّهم من المدافعين عن الفن والجمال ضدّ التحجّر.. ولكن هؤلاء الأشخاص الذين يتحدّثون في كلّ شيء يبدو أنّهم لا يفقهون شيئا.. فلا أفكار لديهم يحملونها ولا حجج لهم للدفاع عنها.. يعطون الانطباع بأنّهم أنصار للحرّية ولكنّهم لا يعترفون بحرية من خالفهم.. وينسون أنّ الاختيار هو ألف باء الحرية التي لولاها لما أتيح لهم أن يقولوا ما يقولونه.

•••

4. للفتاة الممثّلة موقف خلاصته أنّها غير مستعدّة للقيام بأدوار سينمائيّة تعدّها “خارجة”.. هكذا عبّرت بنفسها عن فكرتها.. قالت البنيّة:
 أنا أتحدّث عن نفسي.. لا أتصوّرني أقوم بدور (بائعة هوى).. عندي ثنيّة معيّنة أنا اخترتها.. أنا اخترت ثنية لروحي..أحترم الآخرين.. يعجبونني ولكنني..
غير أنّ عناصر الجوقة لا يتركون لها مجالا لتعبرّ عن موقفها أو حتى لتجيب عن أسئلتهم فيهجمون عليها بحجّة أنّ الفنّ لا يقبل المقاربة الأخلاقية ولا تتماشى معه الأحكام القيمية.. ولمّا اشترطت الفتاة في الدور الذي ترغب في القيام به أن يكون “محترَما” سألوها مستنكرين:
آش معناها محترَم؟.. هل هناك أدوار محترمة وأخرى غير محترمة؟.. الممثّل راهو يطوّع نفسه حسب السيناريو.. مثلا أنت غدوة يعرضو عليك درو بائعة هوى في فيلم.. هل ترفضين الدور بدعوى أنّه دور غير محترَم؟ هل نعيّر الأفلام بالمعايير الأخلاقيّة؟
هنا أجابت البنيّة قائلة:
أنا أتحدّث عن نفسي.. لا أتصوّرني أقوم بدور مثل ذلك.. عندي ثنيّة معيّنة نحبّ نعملها.. أنا اخترت طريقا لنفسي ولا أُكْرِهُ غيري على اختيارها.. أحترم هؤلاء وأشاهدهم.. يعجبونني ولكن…
فتقاطعها المذيعة مرّة أخرى:
أنت أصدرت حكما أخلاقيّا.. معناها أنت عملت حكم قيميّ على الممثلات اللي اختاروا باش يقوموا بأدوار “جريئة”.. “إذن” ونطقتها بفرنسية “تعبّر خير” Donc.. هنا.. ثمّة حكم أخلاقيّ “اللي أنا في الحقيقة يزعجني جدًّا”.. واستمرّت في تقريعها لأصحاب وجهة النظر الأخرى في الأعمال السينمائية.. وأضافت في تهكّم ظاهر “ولّات موضة.. “والله أنا نحب نمثّل أما ما نعملش الأدوار “الجريئة” ولا الأدوار “الخارجة”.. معناها.. تُصدروا في أحكام قيمية على الناس لخرين..
ولمّا أظهرت الفتاة إصرارها على موقفها الذي ارتضته لنفسها قائلة:
أنا نحكي على روحي، قاطعها المذيع الرجل في أسلوب تعليميّ ركيك:
لا يزال الممثّلون لا يفرّقون بين أشخاصهم وأدوارهم.. وأضاف:
لو أنّ جميع الممثّلات رفضن القيام بهذه الأدوار لن نجد سينما ولا مسرحا.. السينما والمسرح “لقشة” من الدنيا.. والدنيا فيها الخايب وفيها الباهي.. وفيها المتربّي والأقلّ تربية..
ونسي المذيع العليم أنّ السجلّ الذي اعتمده للحجاج لا يخرج عن الأحكام القيمية التي أعلن رفضها والخروج عليها.. وإلّا فما الذي يعنيه تصنيفه الذي صرّح به؟ وكيف يميز “الخايب” من “الباهي” و”المتربّي” من “غير المتربّي”؟
وختم بقولة حازمة أصدر فيها حكمه الجازم:
من يريد القيام بدور “الشخصية النظيفة” في المسرح والسينما لا يمكنه أن يكون ممثّلا…

•••

5. لست معنيا بتقديم نظريات في الفلسفة والفنّ وما بينهما ولا أراني في حاجة إلى وعظ أخلاقيّ أو دعوة للفضيلة ولكنّني معنيّ بالدفاع عن الحرية دونما حاجة إلى ربطها بالالتزام.. وقد رأيت أنّ بعض الخائضين في الشأن الثقافي قد باتوا عبئا على الثقافة لا لأنّهم يقدّمون رؤيتهم الشاذّة للثقافة.. ولكن لأنّهم يشوّشون على الثقافة بدعاوى لم تعد تنطلي على أحد وبصخب لا معنى له..
ولستُ، هنا، في وارد الدفاع عن الهوية ولا عن القيم الأخلاقية ضدّ من يرون أنّ من حقّهم نقضها.. ولكنني معنيّ، أساسا، بالدفاع عن جميع الحريات ضدّ كلّ وصاية تستهدف مصادرة الرأي المخالف، بحثا عن انسجام لا حقيقة له في عالم أساسه الاختلاف والتنوّع، كما يفعل كثير من المحافظين في السياسة والفنّ والأخلاق..

6. ولقد رأيت في أقوال تلك الجوقة فاشيّة ثقافية لا نظير لها.. فإن كنتَ تدافع عن الرأي الذي يقول بــــــ”لاربّي لا سيدي” أو عن عري من أراد أن يتعرّى تحت عنوان الحرية أو عن مشاهد الإثارة في الفنون، فأحرى بك أن تمضي قُدُما في الدفاع عن الحرية وتفتح بابها للجميع حتّى لأولئك الذين يخالفونك في الرأي وقبلوا بأداء أدوار ورفضوا أخرى في المسرح أو في السينما أو في غيرهما.. أمّا أن تدافع عن حرية من يتعرّى وتكبت حرّية من لا يفعل فذلك التناقض عينه والحكم بغير معيار.. أليس الاختيار من مفردات الحرية؟

7. يبدو أنّ الجوقة ما كان لها من بضاعة تزجيها غير عبارات لم يكن يستدعيها المقام فكانت تحشرها في الحوار حشرا من قبيل “حكم قيمي” و”معيار أخلاقيّ” في معرض الحديث عن السينما والمسرح.. وقد ورد على لسان السيدة المرافقة للبرنامج قولها للبنيّة الممثّلة “أنت أصدرت حكما أخلاقيّا.. معناها أنت عملت حكم قيميّ على الممثلات اللي اختاروا باش يقوموا بأدوار “جريئة”.. Donc.. هنا ثمّة حكم أخلاقيّ “اللي أنا في الحقيقة يزعجني جدًّا”.. وقد غفلت عن استعمالها عبارة “اختاروا” في جواب الفتاة عن اختيارها.. وهنا تساءلتُ: أليس هؤلاء من المدافعين عن الحرية ضدّ كلّ من يهدّدها؟ أليست الحرية مطلبهم المقدَّس؟ وهل يؤمن هؤلاء بالحرّية أصلًا؟ وهل يعترفون لغيرهم بأن يخالفهم وأن يستقلّ عنهم في اختياره؟ أما آن لهؤلاء أن يدركوا أن الحرية قيمة غير قابلة للتجزئة وأنّ الفنّ أوسع من اطّلاعهم وأنّ من أبجديات العقل “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”؟

8. لا يبدو أنّ هؤلاء يعترفون بحقّ من خالفهم في الاختيار لأنّهم ببساطة تربّوا على ثقافة دكتاتورية يحتفظون بها من الحقبة الستالينية التي تتلخّص منجزاتها في ما كانت تعتمده من أشكال فظّة خلاصتها الإرهاب البوليسي، والتطهير الجماعيّ والاغتيالات والمحاكمات.. ولو أنّهم امتلكوا قوّة لفتكوا بكلّ من لم يوافقهم في الرأي.

9. إنّ البنية الذهنية لدى أعداء الحرية واحدة، فلا فرق بين من يصادر الحريات باسم الدفاع عن الأخلاق الحميدة وبين ذاك الذي يصادرها باسم الحداثة كما يفهمها هو.. فكلاهما استئصاليّ خادم للدكتاتورية التي لم تنجز طيلة ستّين عاما غير تجفيف المنابع وتعطيل البلاد وكبت الطاقات وحمل الناس على ما لا يريدون وتعقيم العقول وتعطيب النفوس.. الوجهان يحكمهما شعور متأصّل بالعجز عن الإقناع والفزع من تلاشي ما يحملون من مواقف وأفكار لا تكاد تتجاوز رؤوسهم لأنها لا تعدو كونها أوهاما لا قبل لها بمعالجة الواقع وتقديم الحلول.

10. لست أظنّ بهؤلاء جهلا بأن الفنّ السينمائيّ متعدّد المدارس متنوّع الاتجاهات.. ولكنهم يحتقرون كلّ من خالفهم الرأي ويحرصون على فرض نمط وحيد من الآراء يرونه معبّرا عنهم حكرا عليهم.. بذلك تظلّ السينما حبيسة فئة بعينها لا صلة لها بجماهير الشعب تسوّق مشاغل لا صلة للناس بها من قريب ولا من بعيد يحصد أتباعها جوائز من دوائر أجنبية تستعين بهم على قراءة زوايا بعينها تستهدف تسليط الضوء عليها لغايات لم تعد تخفى على أحد.. وبذلك تُحاصَر الفنون الجميلة في بلادنا وتظلّ حكرا على جهة بعينها يخلو لها المجال فتفرض وجهة نظر واحدة للجمال تحمل عليها مجتمعا محافظا يظلّ ينظر إلى هذا الفن بعين الارتياب غير قابل لتداوله كما لو أنّ الفنّ نشاط أرستقراطيّ منحلّ يخصّ طبقة تتحصّن داخل بيت من زجاج.. لذلك ظلّت السينما التونسية يتداولها جمهور محدود تدرّب على حلّ ألغازها وفكّ رموزها كما لو كانت أحاجيًا مضنونا بها على غير أهلها…

11. ثمّ إنّ هؤلاء بما يشيعونه من فهم متطرّف للفنون ويسعون إلى فرضه بطرقهم المختلفة التي ورثوها عن دولة الاستبداد إنّما يغذّون الطرف المقابل لهم.. ذاك الذي سيجد في سلوكهم ما يبرّر تطرّفه الذي لن يقف عند حدود الأفكار بل سيتعدّاها إلى أعمال قد تهدّد السلم الاجتماعيّ وتعطّل المسار الذي نحن فيه باتجاه التخلّص من أسباب تخلّفنا.. ولمّا كان الفصيلان متطرّفين فقد عجزا كلاهما عن إنجاز عمل إبداعيّ يُذكَر يكون له أثره الحسن على المجتمع الذي يحتاج إلى ما يساعده للتخلّص من أسباب عطالته وتصحّر بفعل هؤلاء وأولئك المشهد الثقافيّ.

12. المجتماعات في حاجة ماسّة إلى الفنون الجميلة التي متى شاعت بين الناس تحقّق التواصل واتّسع الاطلاع وتحاورت الثقافات وتعارفت الشعوب.. ففنّ السنما مثلا هو فن شديد الاتصال بالمجتمعات باعتباره نمطا مشهديا موصولا بمشاهد الحياة.. وإذا كنّا نتفهّم موقف المنادين بالحرية المطلقة فأحرى بنا أن نتفهّم اختيار القائلين بالحرية الملتزمة.. واحترام موقفهم من مقتضيات الحرية.. أمّا الحديث عن الواقع وتسويقه حجّة لقمع الرأي الآخر فأمر غير مقبول.. وأيّا كان موقفنا من الواقع رفضا أو قبولا فإنّ الفن ليس محاكاة له ولا انعكاسا لما فيه من تناقضات.

شاهد أيضاً

سيناريو على حافة الحلم: ليس يائسا وليس تبشيريا

عبد الرزاق الحاج مسعود القدس اصطلاحا أغلب ردود فعل شعوب العرب والعالم الإسلامي على قرار ...

اترك رد