الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / العابثون بمصير وطن

العابثون بمصير وطن

نور الدين الختروشي

العبثيه او العبث تيار فكري اوروبي ولد على انقاض القتل والدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية مع خمسينات القرن الماضي. 
الجملة البسيطه والمباشره لالبير كامو “اللاجدوى نقيضة الامل” والتي جاءت في كتابه الشهير “اسطورة سيزيف” ربما تكثف معاني وابعاد تلك الفلسفة.
لعل الناقد المسرحي الانكليزي مارتن يسلين كان اول من اطلق تسمية “مسرح العبث” في كتابه الذي صدر له بنفس العنوان ناقدا للنصوص المسرحية لصمويل بيكيت، ويونسكو، ولينتر وجينييه التي كانت اعمالهم تستغرق معانى اللاجدوى والعدميه واللامعقول.
عبثية الحرب العالمية الثانية أثارت في أوروبا الحاسة الفكرية لتحولها الى نصوص ابداعية عميقة في الفلسفة والمسرح، مدارها البحث عن المعنى في أساديم اللامعنى.

ما وقع في تونس في الايام الاخيرة “شيء قريب” من كل المعاني التي تثويها فلسفة العبث.

ففي سليانه تفجع ثقافة التعايش والمواطنة بجريمة تواطئ عليها مجتمع الحكم والاحزاب والمجتمع المدني، حيث أصدر اتحاد الشغل بيانا حربيا لمنع زيارة القيادي في حركة النهضة الحبيب اللوز الى مدينة سليانه في زيارة سياحية نظمتها جمعية قانونية وقدمت مطالب التراخيص الرسمية لزيارتها والانشطة المزمع القيام بها. ثم كان بيان حزب العمال الذي كان أكثر حربيه وعنفا في معناه ومبناه، وختمت المسلسل وزارة الفلاحة ببيان منع ريارة محمية طبيعية للحيوانات بدعوى سخيفة حد الجنون.
رسائل “واقعة سليانة” عديدة وقد تناولها الرأي العام بالتحليل وكان مدارها حول مؤشرها الخطير على تغلغل وعمق ثقافة الاقصاء لدى قطاع كبير من النخب الفاعلة اليوم في المشهد السياسي، والتي تتوزع المواقع والادوار بين أجهزة الدولة المجتمع المدني والحزبي وتشكل جزءا من “الدولة الصلبة” المتمنعة والممانعة والمانعة -بالمباح والغير المباح وفي السر والعلن- لتونس الجديدة من ولوج زمن الحداثة السياسية والديمقراطية الذي دشنته ثورة الحرية والكرامه.
هذا المعنى المركزي في سلوك الذين منعوا جمعية الدعوه والاصلاح من تنظيم مناشطها الثقافية والترفيهية في ولاية سليانة يبدو واضحا ولا يحتاج الى كبير نباهة لفهمه وربطه بسوابق خطيئة ما سمي باليسار الاستئصالي الفوضوي الذي مازال قطاع كبير منه يؤمن بأن الديمقراطية خطرا على اجتماعنا السياسي الوطني، وان تفعيل احتكار الحقيقة الوطنية هي المنهج الانسب لإدارة الحياة العامه.

غير بعيد عن سليانه في الشمال الغربي وبموطن ولادة الزعيم بورقيبة في الساحل التونسي منع مجموعه من “البلطجية” رئيس حزب حراك المواطنين من الالتحاق بمقر اذاعة محلية. وقد كان منسوب العبث في قطع طريق سيارة المرزوقي يلامس حد الاستخفاف بمنجز الثورة ذاتها.
وفي خضم بهتة وصدمة الرأي العام أمام فضيحة سليانة وجريمة المنستير، فجع الرأي العام بحدثين جديدين كادت ان تنسيه ما أقترفته الايادي العابثة بين الساحل والشمال الغربي، حيث أعلنت وزارة الداخلية عن حركة جديدة في سلك الولاة كانت يمكن ان تمر دون كثير اهتمام، لولا شمولها لوالي تونس، الذي اثبت خلال عهدته القصيرة قدرة وازنة على القيام بدوره وكفاءته ونزاهته،؟ وقد كانت صورته مع السيد عماد دغيبج الذي تزعم شباب الثورة في منطقة حلق الوادي والكرم خلال وبعد الثورة، وصوّره الاعلام كزعيم لعصابة أوميليشيا عنيفة كلفته السجن. كانت صورة الوالي برفقة دغيبج في شوارع الكرم وبين أهاليها ودون بروتوكولات ولا حراسة شخصية لوحة في رصيد الوالي الذي كثف من الحركة الميدانية وكون لنفسه ” صوره عمرية ” للوالي المتواضع والخدوم والعادل.
فنزل خبر اقالته كصدمة جديده للرأي العام، قرأها في سردية العبث. وكم كان مؤلما لتونس الجديدة ان يكون العبث في الحالة “عبث دولة”. فقد يتفهم الرأي العام ان يصدر العبث عن رموز الحياة العامة التي تتدرب في مدرسة الديمقراطية على أخلاق المسؤولية، ولكن أن يتحول العبث من المجمتمع المدني الى مجتمع الحكم فالمعنى الوحيد لهذا الجنون ان هناك إرادة خفية ومنظمة تعبث بالمصير العام.

خاتمة مشهد الفوضى السريالي جاءنا بعد يوم فقط من مجلس النواب الذي فشل للمرة الرابعة في انتخاب رئيسا للهيئة العليا للانتخابات. فكانت الرسالة / الفاجعة ان “الدولة الصلبة” أقوى من الارادة العامة التي تنتظر الاستحقاق الانتخابي البلدي بفارغ صبر لتستكمل نصف ثورتها.
العبثية في الفكر الاوروبي كانت رد فعل ابداعي على كم القتل والدمار الذي أقترفته وحشية الحرب العالمية الثانية، وقبلها كانت النتشوية في بداية القرن الفارط تؤسس للعدمية كمآل طبيعي لفوائض العقلانية الصلبة في المجال الغربي. وكانت العدمية ومن بعدها العبثية بحث بالسلب عن المعنى والدلالة في افق تحرري يبحث عن تعميق معاني الانسنة والحداثة والتصالح مع عناصر الوجود والموجود. وتبدو عبثية المشهد الوطني اليوم بدون دالة ولا دلالة، سوى دالة الارتكاس الى زمن دولة القمع العاري. اي ببساطة دالة الجنون واغتيال العقل ومن قبله ومن بعده إغتيال حلم عام بالحرية والتحرر من نوازل القمع الرمزي والمادي الذي جثم على صدورنا قرونا، ويبدو ان طريق التحرر من مبانييه ومعانيه مازال طويلا ومازال يطالبنا بدفع الكلفة.. كلفة التاريخ.
ألم يعلمنا كامو ببساطة عميقة ان اللاجدوى نقيضة الأمل…

الراي العام – التونسية

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد