الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / هل باتت الحرّية في خطر ؟..

هل باتت الحرّية في خطر ؟..

نور الدين الغيلوفي

1. ليس لي من رهان على طرف سياسيّ بعينه إلّا بالقدر الذي يدافع به هذا الطرف عن الحريّة مطلقِ الحرية بعيدا عن أيّة وصاية، لأنّ الحرية في رأيي قاعدة المعنى وأساس الحياة وعنوان الوجود.. وما دامت حرّية الجميع مكفولة في ظلّ القانون المدنيّ الذي يحترم الناس بالقدر نفسه، كان الجميع متنافسين في البناء من أجل النهوض بالبلاد وتحرير العباد من الحاجة ومن كل ما قد يعوقهم ويقصر بهم عن الفعل المثمر النافع.. ولا خشية من شعب يتنفّس الحرّية اجتناها بقبضته من ثورته في انتظار ترجمتها إلى عدالة ولو تأخّرت العدالة.. وإذن فليس لأحد أن يمنع أحدا من ممارسة قناعاته وترجمة معتقداته ما دام محترما للقانون يتحرّك تحت ضوء الشمس الجامعة المانعة…

2. ظلّ المنع فعلا ملازما لسياسة الدولة الوطنية، منذ أن آل إليها أمر الوطن مع لحظة الاستقلال، حتّى أنّه ليصحّ وصفها بأنّها دولة المنع والحظر والحجر والحجز والحجب.. دولة النخبة المتغلّبة التي جمعت بين الاستبداد وشقيقه الفساد استوت بهما على الشعب واستولت على مختلف المرافق وأغلقت جميع الأبواب حتّى تحوّلت البلاد بفضلها إلى سجن كبير داخله مفقود والخارج منه مولود.. وتحوّلت البلدان في عهدها إلى مقابر تحوي رفاتا بشريا يستحيل بعث الحياة فيه.. احتلّت الدولة مقام الإله تحظر ما يبيحه.. تمنع كلّ شيء عن الناس وإذا أباحت لهم شيئا منّت به عليهم حتّى آذتهم بمنّها.. تمنع عنهم أقدس ما تكون به إنسانيتهم، حريتَهم.. تمنع الحرية فتحظر بذلك عطاء الإله لخلقه.. وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً.. تمنع الدولة الناس عطاء الإله من أجل أن تخضعهم لجبروتها وتجعل منهم عبيدا لها أسرى لديها..

3. وشرب الحاكم بأمره كلّ الأفعال وسلبها غيرَه من الناس.. فله هو وحده مطلق السلطان.. وله أن يفعل ما يشاء كما يشاء وقتما يشاء.. احتكر المشيئة ومنعها عن الجميع ولم يسمح بغير الفتات لمن جعلهم توابع له يتّخذ منهم حناجر للصراخ وأدوات للبطش ومعاول للخراب وأقلاما لتدوين مسيرته ولمتابعة مساره وأفلاما لتسويق بذاءته وتزيينها حتّى تكون في عين المشاهد آية الجمال.. تقدّم العالم من حولنا وظللنا، نحن، العرب الباقية، ندور في حظيرة جعل الاستعمار عليها ناظرا وقد أوهمه بأنّها ضيعته وأنّه سيّدها يفعل بساكنتها ما يشاء.. وجلس الاستعمار خارج الضيعة يرقبها تتآكل لا يعنيه منها غير ما يجنيه من ريعها…

4. ولمّا قامت الثورة تنفّسنا الصعداء وقنعنا من أحلامنا الكبرى بسيدة المعاني.. الحرية التي فارقت أمّتَنا من زمن لا نذكره واكتفينا منها بدرس نستصحبه من المهد إلى اللحد عنوانه “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.. وظلّت الحرية حبيسة الحناجر.. لحنا ننشده وهاجسا نبيت عليه حلما ونفيق منه على الخواء.. وبارتخاء قبضة الدولة رأينا المجتمع يستردّ عافيته وينعم بحريته يغرس حقولها ويزرع عقولها.. وصار الدستور شريعة قاعدتها حرية تتحقّق وعدالة تنتظر..

5. إلّا أنّ نظام الاستبداد الذي رأيناه يتهاوى قد ترك فينا بواقيه يفسدون مزاج الحرية ويمنعون خيرها.. فهم لا يرون العالم إلّا من عند زاويتهم ولا حريّة لمن لا يرى رأيهم.. ومن أسف أن نقول إنّ فصيلا إيديولوجيا ثوريّا بعينه جعل الحداثة له عنوانا والعلمية عليه دليلا وأكل بهما من موائد مختلفة حتّى أصابته من فرط ما أكل تخمة اطمأنّ بها حتّى “لم تعد له مشكلة”.. هذا الطرف هو الذي يصرّ على أن يظلّ حجر عثرة ينغّص على الناس حرياتهم بدعاوى فارغة لا تعبّر عن غير وصاية يشتقّها من موروثه الأصولي القديم الذي لا يزال ينظر معه إلى أنه ممثل للعقل ومحتكر للعلم وسادن للمعرفة وراهب في محراب الحداثة…

6. يُمنع الرئيس السابق الدكتور المنصف المرزوقي من الدخول إلى إذاعة الرباط بالمنستير لإجراء حديث صحفيّ من قبل “مجموعة من المواطنين”!.. مواطنين لا يبحثون عن وطن يختلف أهله ليأتلفوا بل ينازعون لإعادة عقارب الساعة إلى وراءٍ كرهه الشعب فثار عليه.. لقد كان هؤلاء عسسا يحرسون ضيعة الرهبان الذين لا يرضيهم أن تشرق شمس الحرية على البلاد والعباد…
وتُمنع جمعية اسمها الدعوة والإصلاح من إقامة مخيّم دعويّ بولاية سليانة بعد ترخيص تقدّمت به إلى السلطات المعنية وافق عليه والي الجهة.. جمعية مدنيّة قانونية لا تطلب بالضرورة أن يكون الجميع من أنصارها.. وقصارى ما يطلبه القائمون عليها أن يكون لهم بين الناس صوت في زمن الثورة التي جعلت صوتا لكلّ من لم يكن له صوت…

7. تتحرّك الماكينات لتعطيل الحريات في البلاد في تحدّ صارخ للدستور وفي اعتداء واضح على القانون واستهتار بالثورة واستهانة بالدولة.. كأنّ بعض المنظمات الاجتماعية والأحزاب الإيديولوجيّة قد تحوّلت إلى هيئات رقابية تنوب عن الدولة وتستولي على مهامّها فتمنع من تشاء وتجيز من تشاء.. وكأنّ البلاد تحوّلت إلى مزرعة تحكمها الدولة على سبيل المجاز ويتحكّم فيها المنحرفون المحترفون على الحقيقة.. كضيعة يحكمها في النهار ناظرها ويستولي عليها في الليل عُتاة اللصوص…
وقائع كثيرة تشي بأنّ وجوها محسوبة على توجّه إيديولوجيّ معيّن هي التي تقف وراء حوادث المنع والحظر والحجب لكل من خالفها.. فكأنّها بما تفعل تثأر لمنظومة الفساد والاستبداد التي لا تزال تنازع من أجل العودة.. ترعى شهوتها القديمة في التحكّم في الرقاب والتضييق على الناس وحرمانهم من ممارسة حرياتهم وفق ما يسمح به القانون ويرتضيه الدستور في واضحة النهار بعيدا عن التشنّج والتعصّب وزراعة الكراهية…

8. يبدو أن قصور الفهم لدى هؤلاء وعجزهم عن الاعتبار بالتاريخ قد مكّن منهم المنظومة القديمة تستعملهم أدوات لها يسهّلون عليها ترتيب أوراقها من أجل العودة للتحكم في المشهد عامّة وقد نسوا أنّهم لمّا أسلموا لها ظهورهم بالأمس من أجل الخلاص من خصومهم ركبتهم حتّى استنزفتهم.. ولمّا فرغت لهم أجزلت لهم من عطائها الاستبداديّ وأمعنت في إذلالهم حتّى فقدوا ما تبقّى لهم ممّا كان من توهّجهم الثوريّ الموروث…

9. إنّ في خطاب هذا التيار الأصوليّ وسلوكه ما يترجم نزوعه إلى منع كلّ مخالف له وقطع الطريق عليه بالتنغيص على أنشطته وهو يحسب أنّه بذلك يخدم مرجعيته العتيقة التي علّمته أن يعادي الحريات بدعوى أنّها سليلة المرجعيّة الليبرالية السياسية التي تستصحب معها بالضرورة الليبرالية الاقتصادية.. يبحث هؤلاء عن عدالة اجتماعية منتَظَرة لا يقدّمون بين يديها غير كبت الحريات وقهر الإنسان.. وعجزهم عن الفعل قد صرفهم إلى التعطيل وقصورهم عن الإثبات قد حشرهم في دائرة النفي.. لا يقيم هؤلاء وزنا للديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان ولا يحترمون الاختلاف، إلّا على سبيل الخطاب، لأنهم من جهة يتوهّمون احتكار العلميّة واحتلال الحلول السحرية التي يكونون بها قادرين على حكم أيّ دولة من دول العالم.. ولأنّهم من جهة ثانية لا يؤمنون بقيم الليبرالية السياسية ويحمّلون مسؤوليّة السياسات الكارثيّة للنيوليبرالية الاقتصادية التي تتحكّم في العالم.. لذلك فهم لا يقيمون اعتبارا للحرية التي يرونها نقيضا لعدالتهم المنشودة…

10. فهل يعادي هؤلاء، عن وعي، حريةَ القول والرأي والتنقّل والمشاركة السياسية لأنّهم يربطونها ربطا ميكانيكيا بالليبرالية الاقتصادية التي لا تتماشى مع الاستبداد السياسي أم أنّ عداوتهم لضروب التديّن تفوق غيرها من العداوات بحكم مرجعيتهم الكلاسيكية التي علّمتهم أنّ الدين أفيون الشعوب فباتوا يرون في كلّ متديّن متّهما بحمل الأفيون بين جنبيه؟.. ألا يظنّ هؤلاء أنّهم بما يفعلون إنّما يخدمون منظومة الاستبداد دون أن يدروا؟ هل نعادي الحرية لأنّ رأس المال يستفيد من مناخها؟ ألا يعلم هؤلاء بأنهم بذلك إنما يعودون بنا إلى المربّع الأولّ الذي كانت النخبة الاقتصادية متطابقة فيه مع النخبة السياسية؟ أوليس ذلك مكمن الفساد والاستبداد؟

11. لقد أعماهم عداؤهم لحركة النهضة وكان أحرى بهم أن يساعدوها على الوقوف معهم على أرض مشتركة وأن يبحثوا عن لغة موحّدة تجمع ولا تفرّق.. الحياة ليست سياسة كلّها.. والسياسة لا معنى لها إن هي قامت على الاستئثار.. نحن أمة ما أفسد تاريخها غير استئثار السلطان.. يأخذه من لا يستحقّه.. البلاد تحتاج الإسلاميين حاجتها إلى اليسار وإلى غيرهم من أبنائها المختلفين.. ولن يكون للوطن معنى ما لم يحسن أبناؤه إدارة اختلافاتهم بالتي هي أحسن بعيدا عن التشنّج وما يستدعيه من تخوين وتكفير وإلغاء واستئصال..

12. حركة النهضة تقول إنّها ماضية في فكّ الارتباط بين المجالين الدعوي والسياسيّ فلِمَ يصرّ خصومها على ردّها إلى الجمع بينهما؟.. ألا يجانبون، بما يفعلون، العقل؟ أليس إصرارهم على نفي الدعويّ هو الوجه الآخر لإصرارهم على رفض السياسيّ؟.. ألا يستهدفون تجميد الحركة في موقعها القديم، لمّا كانت حركة شمولية تصل بين الديني والسياسي في أنشطتها، حتى يتسنى لهم رفضها جملة وتفصيلا لأن ذلك أسهل لتصنيفها ضمن مربّع اللإسلام السياسيّ؟..

13. يبدو أن جهات متنفّذة في النخبة الوظيفيّة التي كان يستعملها النظام القديم تلح على حشر النهضة في المربع التقليدي ليسهل عليهم شنّ حربهم عليها بأدواتهم القديمة التي لم يبذلوا جهدا في تحيينها.. إن تلك النخبة لم ترث سوى المنع والحجر كما يفعل كل ظالم مستبدّ يرى في نفسه الحق المطلق ويرى في غيره الشرّ المحض…

14. لا بدّ أن يفهم الجميع أنّ الفرق السياسية المتصارعة على الساحة إن هي، جميعها، إلّا اقتراحات للنهوض بالبلاد.. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وليكن الشعب هو الحكَم.. أمّا أن يزعم البعض بأنّه يحتكر الحقيقة ويستأثر بالحلّ فلا معنى له في لحظة مضطربة استوت فيها النقائض وتداخلت الأمور وأشكَلَت الحلول…

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد