الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / من طرائف حياتي الدينية ! (4)

من طرائف حياتي الدينية ! (4)

بشير العبيدي

#بسمة_اليوم …

لقد عشتُ مواقف إنسانيّة غاية في الطّرافة والغرابة، بيد أنّني أذكر مُلحاً منها غلبت ما دونها لشدّة اتصالها بنمط التفكير!
وهذه دُفعة جديدة من الكم الطّرائف، وهي ليست من نسيجٍ خياليّ، بقدر ما هي من نسغ واقعيّ. ولا أسردها في تسلسلها الزّمانيّ والمكانيّ، بل أبسطها للقرّاء في ترابطها الموضوعيّ، وتغامزها الفكريّ.

معلّم “العربيّ” ومعلّم “السّوري” !
أكتب هذه القصّة بلغة العصر التي حدثت خلاله. ذلك أنه في تونس الخضراء، لا يوجد شيءٌ يسمّى “عربيًّا” إلاّ وله -بالضّرورة- مقابل “سوريّ”! كلّ شيء في تونس “مُقدّر له” هذا “القدر البورقيبي”، حتّى علبة القهوة تضعها التونسيّة في مطبخها -المطبخ الذي تسمّيه “بالسّوري” “كوجينة” -لا يرتاح لها بال حتّى تكتب على العلبة (café) تحت “قهوة” أو فوقها، لكي تتأكّد نفسيًّا وترتاح أنّها تجيد “السوريّ” إضافة لإجادة “العربيّ”! :

لكن، انتبهوا : “سوريّ” في لهجة أهل تونس يعني “فرنسيّ”! وسبب بقاء هذه التسميّة الغريبة حقّا هو سبب استعماريّ. فلقد كانت فرنسا الاستعماريّة تجلب المرتزقة لمستعمراتها من البلاد العربيّة الأخرى، وخصوصا أبناء الأقلّيات العربيّة غير المسلمة. ولذلك كانت تجلب المرتزقة من سوريّة، وكان هؤلاء يتكلّمون الفرنسيّة فيما بينهم رغم سوريّتهم، فشاع عند التونسيّين أن من يتكلّم هذه اللغة فهو “سوريّ”. حتى القميص اسمه “سوريّة” عند التونسيّين، فالقميص المستجاد كان يُجلَب من سوريّة، وتوارثت الأجيال التسميات إلى الْيَوْم !

وهكذا، أنا أيضا كان لي في ابتدائيتي السادسة، الترتيب عينه : يعلّمني معلم “للعربيّ”، ومعلّم آخر -بالضرورة- “للسوريّ” ! لكنّني كنت محظوظا إلى أبعد الحدود في معلّم “العربيّ” ! لقد كان معلّمي هو المرحوم محمد صالح العيساوي، خرّيج جامع الزّيتونة، وخطيب الجامع الكبير في مدينة منزل (بورقيبة)، وخطيب في الإذاعة الوطنيّة !

كان الأستاذ محمّد الصالح العيساوي مديرا للمدرسة الابتدائية -أمّ هانئ- وهو الذي ورثت عنه التوقيع بالهجريّ إلى يوم النّاس هذا، لأنّه كان يكتب التاريخ الهجريّ كلّ يوم على السّبورة، ولا يضع التّاريخ “السّوريّ” أبداً ! وكم كنت أرجو من معلّمي لو شرح لنا السّبب في امتناعه عن كتابة التأريخ “السّوري”، وأنا لم أسأله خوفاً، فقد كان إذا حدّق بعينيه تجاه أحدنا في القسم، غالبا ما تكون الإجابة سريّة في السروال!

وكان معلّم “العربي” حريصاً -رحمه الله- على تعليمنا الأخلاق وتعاليم الدِّين، وكنّا نظهر الاهتمام بها ونسأل عن الآثام التي لها أثر دبيب النّمل، لكنّنا -حال الخروج من الفصل- نتحوّل إلى الطبع الذي غرسه فينا المجتمع، من قسوة وعنف ونزاع وكره، فكان ما نعيشه في الفصل هو تمثيليّة مؤقّتة، ولم يكن ينتابني شكّ أنَّني في القسم ألعب دور التّلميذ لا غير. ولمّا علّمنا الصّلاة، طلبتا منه أن يأخذنا إلى المسجد لكي نصلّي، فقد كان كبار السنّ في حيّنا يطردون كلّ طفل يدخل المسجد ويقولون له “منزوس” (نجس) وتدخل المسجد ! فتردّد كثيراً معلّمنا وطلبنا منه مرارا وتكرارا أن يأخذنا إلى المسجد لكي نجرّب الصلاة فيه، حتى أكثرنا عليه، فأخذنا يوما مكرهاً غاضباً خائفاً، ولم أفهم أبداً سببا لذلك حتّى كبرتُ وصرتُ أفهم في قذارة السّياسة ! لقد كان خائفاً على مركزه من الوشاة !

أمّا معلّم “السّوريّ”، فهو أعجوبة بحقّ! أسمر، طويل القامة، وفير الشعر، يلبس سروالا متّسع الكمّ أسمّيه “رجل الفيل” لأنه يقال له “بالسّوري” (pattes d’éléphant)، يُدخّن، وله درّاجة ناريّة زرقاء، ويتكلّم أغلب الوقت “بالسّوري”، ولا يخاطبنا بالعاميّة إلا حين يرغب في إيصال فكرة إلى أمخاخنا الصغيرة الطريّة !

معلّم “السّوري” حين بدأ معنا دروسه أخذ علينا عهودا ومواثيق أنّ ما يُقال ويُعمل في الفصل يبقى في الفصل، ولا نخبر به أحدا من أهلنا، وخصوصا لا نخبر به معلّم “العربي”! وكان في كلّ مرّة يختار أنبه تلميذ منّا وأجمله وأنظفه، ويقترح عليه أن يذهب عنده في بيته ينام عنده ليلة، بعد قبول الأولياء، ونحن في رؤوسنا كنا نَعدّ ذلك تشريفا ما بعده تشريف! وكنا نسأل من يذهب عند بيت المعلم (ف) كيف هو، وعن الأكل والأثاث وهل أهدي إليه شيء وكيف هم أولاد المعلم وغير ذلك! وكان معلّم “السّوريّ” يسألنا ماذا علّمنا معلّم “العربي”، من أفكار فيأتي ويقصّ علينا باللهجة العامية قصصا هدفها محو ما علّمناه معلّم العربي ! أذكر أن المرحوم محمد الصالح العيساوي علّمنا أن شرب الخمر حرام. فلما علم معلّم “السوري” بذلك، قال لنا بالحرف: (في الحقيقة الحرام هو حين نشرب قارورة أو قارورتين من الخمر، لكن الكأس والكأسين لا بأس، خصوصا في الأعراس والأفراح، فاشربوا) ! وكان هذا دأبه على مدار سنتين كاملتين ! حتّى أنه لم علم بذهابنا إلى المسجد، لا ندري ما الذي حصل بينه وبين معلّم “العربي”، لأنّ السيد محمد الصالح العيساوي جاءنا يوماً غاضباً وقال: أأنتم قلتم لسي (ف) أنني أخذتكم إلى المسجد؟ فقلنا: أجل نحن قلنا ! فقال رحمه الله: اعلموا أنّ الله سبحانه جعل لي قدرة أنني أرى وأسمع بعيون وآذان (أهل باسم الله)، فما تقولونه عني أعرفه ! فصدّقناه !

وكان معلّم “السّوري” يأتي معه بقارئ أقراص الفينيل، لتسميعنا الموسيقى، وسمّعنا أغانٍ يحبّها “بالسّوري”، ولم نكن نفهم ما يقال فلغتنا كانت ضعيفة “بالسّوري”، لكننا فهمنا أن معلّم “السّوريّ” لا يحب إلا الأشياء التي “بالسّوري”، اللهم مرّة واحدة أنشدنا الأغنية الوحيدة التي يحبّها “بالعربي” وهي أغنية :
لمّا بدا يتثنّى
لمّا بدا يتثنّى
حبّي جماله فتنّا
أمان أمان أمان أمان !

وكانت قمّة طربه حين يسمّعها لنا على قرص الفينيل، وحفّظها لنا جميعا، رغم أنّها ليست أغنية “بالسّوري” !!

ثم نجحتُ بعد ذلك في الابتدائية، وانتقلتُ إلى الثّانوية، وبعد ثلاث سنوات من نقلتي جاءت ترقية الأستاذ محمد الصالح العيساوي إلى رتبة أستاذ للثانوية، ومن عجيب ما يتّفق أنّ هذا الأستاذ عينه صار أستاذ التربية الإسلامية لي، بعد أن قضّيت ثلاث سنوات كاملة مع سي (ي) الذي كان يأتينا إلى الفصل يعلمنا الهدي النبوي وهو سكران، ولم نره يذهب للصلاة ! وقلت في نفسي: على الأقلّ سي العيساوي أعرفه، ثمّ بعدُ فصفعته حين يصفعني لا توجع كثيرا !

أما الْيَوْم، مع مسافة الزمن، لو أنّ معلّم “السّوري” هذا كان من بين الأحياء، وتقاطعتْ سكّته بسكّتي، لقلتُ له كلاماً يجعله يتمنّى لو أنّه كان تحت التراب ولم يسمعه منّي ! ولو كان الْيَوْم سي (ف) تحت التّراب، لنهيتُ ذوي النّهى عن دفن موتاهم في الجبّانة التي تعست بردم رميمه، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

-يتبع-

✍🏽 #بشير_العبيدي | صفر 1439 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أَمَلاً |

شاهد أيضاً

صراع الهمجيات الطائفية

الأمين البوعزيزي أن يجرّم كهنوت آل سعود “حزب الله” ليس مدعاة لرد فعل بافلوفي كونها ...

اترك رد