الجمعة ، 24 نوفمبر 2017

خوانجي

عبد اللطيف علوي

مع مرور الوقت، صار أولئك “الخوانجيّة” هم الّذين يعتزلون النّاس، كي لا يكونوا سببا في إيذائهم، وما عادوا يعتبون على من يتحاشاهم حماية لنفسه ورزقه وعائلته. صار بين الجميع ما يشبه الاتّفاق الصّامت، لا أحد يقترب منهم أو يسأل عنهم. الجميع يجتنبون الحضور في مناسباتهم، ولا يدعونهم إلى أفراحهم. حتّى في المآتم، كان حضور أحدهم لتقديم التّعازي يبدو ثقيلا على الجميع، يثير في المكان حالة من الرّيبة والامتعاض. 

لا تُعرف دولة في العالم، جعلت فئة من مواطنيها يعيشون غرباء في وطنهم، منبوذين، بذلك الشّكل العنصريّ البغيض. يحذرهم الجميع، كما لو أنّهم مصابون بالجذام أو الطّاعون، لمجرّد أنّ عليهم شبهة التّديّن، أو على علاقة قرابة أو مصاهرة بأحد المتديّنين. حالة فريدة، متوحّشة من العنصريّة والعزل الاجتماعيّ، أبدعتها دولة “الوحدة الوطنيّة الصّمّاء”، كما كان يحلو دائما لزعيمها المخلوع “بورقيبة” أن يسمّيها في خطاباته. كان يتباهى دائما بأنّ هذا الشّعب كان قبله، مجرّد ذرّات من غبار، هو الّذي جمّعها ووحّدها وألّف بينها فصارت بفضله وحده، صخرة صمّاء. وخلق منها دولة عصريّة.

الحقيقة أنّه ليس صحيحا تماما أنّ دولة بورقيبة لها الفضل الأوّل في ابتداع ذلك الأسلوب الغريب في العزل الاجتماعيّ لتصفية الخصوم، سبقها إليه كفّار قريش، يوم حاصروا المؤمنين الأوائل، ونبذوهم، وقاطعوهم… لا يبيعونهم ولا يشترون منهم، لا يزوّجونهم ولا يتزوّجون منهم. كان لأبي جهل فضل الابتداع، ولبورقيبة فضل الاتّباع.

#عبد_اللطيف_علوي
#الثقب_الأسود

شاهد أيضاً

مدينتي التي أعرفها ترفض أن تتجمّل بالأصنام

محمد القطّي خطير ما يحدث في صفاقس  بعد الفضيحة التي وقعت في إجتماع الجلسة التمهيدية ...

اترك رد