الجمعة ، 24 نوفمبر 2017

الشريعة

طارق رمضان

إن الشريعة بمعناها الحرفي تعني الطريق التي تؤدي إلى المنبع، لكن العديد يختزلونها في مجموعة من القوانين أو ما يصطلح عليه بالحدود التي تبدأ بقطع يد السارق أو رجم الزناة. وحتى بعض المسلمين يستعملون هذه المعاني معتقدين أن المجتمع لن يكون إسلاميا إلا إذا أنزل أقسى العقوبات على المخالفين. لكن هذا التصور بعيد كل البعد عما يتصوره أغلبية المسلمين. لقد وضع الله تعالى رهن إشارتنا العديد من الوسائل، أولها الوحي الذي يمكن التعبير عنه بطريقتين.

عندما نقرأ لمونتاني ((Montaigne)، أو رابلي (Rabelais) أو عندما نطالع أدب النهضة، فإننا سنكتشف هذه الصيغة الجديدة “كتاب الكون”، نتيجة الالتقاء الفعلي للتقاليد الغربية انطلاقا من الجامعات الإيطالية والإسبانية مع الفضاء الإسلامي ونظرته إلى العلاقة مع الوحي. إن هذا التعبير قديم جدا، ويرجع بنا إلى القرن العاشر، حيث كان المفكرون يستعملون مفهوم الكتاب المنشور (Livre déployé). فعندما يذكر الله سبحانه وتعالى عناصر الطبيعة في كتابه العزيز، فإنه يستعمل مصطلح آية، فجميع الآيات تدل على وجوده، بدليل قوله تعالى: “وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ”. لتوضيح الأمور أكثر، يمكن أن نجسد هذا الفهم بشجرة. فكل من يرى هذه الشجرة، لا يمكنه بالضرورة أن يرى شيئا آخر. لكن عندما يرى الإنسان الأشياء بنور الوحي، فإنه يرى في هذه الشجرة آية من آيات الله، ودليلا من دلائل وجوده تعالى، ونفس الشيء بالنسبة لباقي المخلوقات، فهي من آيات الله إذا نظرنا إليها بنور الإيمان والوحي.

إن الجوهر لا يكمن في تنوع الشعائر بل يكمن في الروح والمعنى. في ليلة من الليالي، كان النبي عليه الصلاة والسلام يبكي، وعندما التقاه بلال رضي الله عنه، أول مؤذن في الإسلام، ليستفسره عن سبب بكائه، أجابه النبي عليه الصلاة والسلام: كيف لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة: “إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ”. رواه ابن حبان.

إن الكون كله يذكرنا بالله، وهو دليل من أدلة وجود الله سبحانه وتعالى، يعني أن الكون آية من آيات الله. ومصطلح آية له دلالتان مختلفتان، فكما أن الوحي هو مجموعة من الآيات المنزلة، فإن الكون هو كذلك آية، وكتاب منشور يثير وعي الإنسان. إذن الوحي له بعدان أساسيان: فهناك الوحي الإلهي المنزل على قلب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهناك الوحي ببعده الكوني. إن دورة النبوة في الإسلام تضم جميع الأنبياء منذ آدم عليه السلام إلى محمد عليه الصلاة والسلام، مرورا بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وباقي الأنبياء والرسل عليهم السلام. لكن لا يجب أن ننسى كما جاء في بعض النصوص أن هؤلاء الأنبياء بعثهم الله تعالى حقا، لكنهم يبقوا بشرا كسائر البشر، رغم ما يميزهم عن باقي البشر من مقام خاص عند الله تعالى. فنموذجيتهم أتت من كونهم مجرد بشر، يعني أنهم لم يبلغوا مقاما ساميا عند الله تعالى بنبوتهم فحسب، بل بلغوا هذا المقام، بحسن تدبيرهم لأمورهم، وصرامتهم، وتهذيب أنفسهم.

النبي إذن هو ذلك النموذج الذي تمكن من السمو بأخلاقه والتغلب على أهوائه، وهكذا يبقى في تواصل طبيعي مع سائر البشر. لقد بعث الله تعالى الأنبياء لدلالة الناس على طريق الله، وعلى الاستقامة حتى يبلغوا مقام السلام الداخلي، وتحقيق التوازن بين الجسد والقلب، والعمل على تغذية أحدهما دون تجاهل الآخر، والتذكير بالله تعالى دون تجاهل القيام بأشغال الحياة اليومية. هكذا كانت تعاليم النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فقد كان يدعو إلى الإيمان بالله تعالى والتعلق بالآخرة، دون أن ننسى نصيبنا من هذه الدنيا، يعني دون أن نمنع أنفسنا من الطيبات، من أكل وشرب ومتعة حلال، يعني بكل بساطة أن نعيش حياتنا كبشر على ضوء الإيمان بالله تعالى. إذن القبول ببشريتنا بكل تواضع يقوي فكرة الخضوع للخالق تعالى وتعظيم أمره.

شاهد أيضاً

عن موقف الديمقراطي إزاء المحاور

عزمي بشارة من أهم مآثر الثورات العربية قبل فوضى الثورة المضادة (التي قادها النظام القديم ...

اترك رد