السبت ، 16 ديسمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / نشوة السياسيين وأسئلة الفقراء أو زبيبة الديمقراطية وجفاف الحلق

نشوة السياسيين وأسئلة الفقراء أو زبيبة الديمقراطية وجفاف الحلق

بحري العرفاوي

ما الذي ينتظره الفقراء من الانتخابات القادمة؟ بل هل هم معنيون أساسا بها وبنتائجها وبالأحزاب المشتغلة عليها والمنشغلة بها؟.
طبقة الفقراء في تونس ـوفق تطور مفهوم الفقرـ أصبحت طبقة واسعة أمام تواصل ارتفاع الأسعار وتدني قيمة الدينار وازدياد حاجات الناس وارتهان أغلب موظفي الطبقة الوسطى للبنوك سواء بقروض الاستهلاك العائلي أو بقروض البناء…

الفقراء عادة لا ينجذبون إلى الخطاب الإيديولوجي ولا تغريهم الشعارات الجميلة سواء اشتغلت على معاني “الثورة” أو على مقومات “الهوية” خاصة إذا ما كان الخطباء من المُرَفهين الميسورين وممن بدت عليهم النعمة في زمن الثورة بفعل المكانات الجديدة أو عطاءات الجهات المانحة من المتدخلين في الشأن الوطني عبر فاعلين سياسيين وإعلاميين وأصحاب مال هم جميعا أشبه ما يكونون بالإنكشاريين يعملون في أوطانهم لحساب أهداف الآخرين.

الفقراء الذين استبشروا خيرا بما رأوا من هروب رمز النظام وبما سمعوا من وعود بعودة المال العام إلى خزينة الدولة يوزع لاحقا على مستحقيه وِفق آلية علمية تحقق العدالة وتنتصر للمحرومين المظلومين، الفقراء الذين حملوا السياسيين الجدد على أعناقهم وتابعوا اجتماعاتهم الشعبية في كل الساحات والجهات يتابعونهم ويرافقونهم أينما حلوا كما المريدين أو الحواريين يعلقون عليهم آمالا وأحلاما ليست مستحيلة ولا خيالية وإنما هي واقعية وممكنة لا تتجاوز مستوى من العيش يحفظ لأصحابه كرامتهم ويقيهم الحاجة و”غلبة الدين وقهر الرجال” كما يقول رسولنا الكريم…

الفقراء أولائك لا يعنيهم من خطاب “الثورة” ما يتعلق بالإبداع والتنظم والإختلاف والتوافق ولا تُشبعهم شعارات الديمقراطية يلوكها السياسيون كما الزبيبة لتحلية خطاباتهم ولا يثقون بأي زعيم تقوده المصلحة الحزبية للتحالف مع رأس المال ومع أصحاب الشركات والمؤسسات وهم يعلمون أن الكثير من أصحابها إنما هم من الذين استثروا زمن الإستبداد ومن الذين أفلتوا من “الحسم الثوري” ومن المحاسبة بل هم من الذين لم يقدر عليهم السياسيون الجُدد فاضطروا للإحتماء بهم والإستقواء بسلطانهم المالي ضد منافسيهم وخصومهم في معركة انتخابية ستُدار على أرضية متحركة ملغومة وأديمُها من رماد الحرائق والجرائم والكذب الملون والنفاق..

الفقراء أولائك لا يشغلون أنفسهم طويلا في تحليل الخطاب وخلفياته ودوافعه ولا يتشمّمون الروائح الإيديولوجية للزعماء مع أنهم يفهمون جيدا في السياسة ويُبسِّطون تعريفها بكونها تحقيقَ مصالح العباد في معاشهم وأمنهم ورفع الظلم عنهم ومنع الأقوياء من إيذاء الضعفاء… يميز الفقراء أولائك بين سياسي يعمل معهم كمواطنين شركاء في الثروة والمصير والقرار والعطاء وبين سياسي يعمل على استخدامهم كأرقام في صناديق الاقتراع وكأدوات لخوض معارك وخصومات إيديولوجية وحزبية بهدف التمكن من السلطة.

إن من مظاهر إهانة الديمقراطية وإهانة الحرية وإهانة الإنتخابات هي غفلة السياسيين عن مطالب الفقراء وتعاليهم عن معاناتهم وخصاصتهم وشقائهم ثم التجرّؤ على استخدامهم وقودا لتحريك “ماكينة” الحزب حتى تحصد أكثر ما يمكن من أصوات الطيبين البسطاء المُستَغفلين.
وإن من مظاهر الإنحراف السياسي هو انتقال بعض الزعماء من موقع “المناضل” إلى موقع “المناور” ومن فعل الكدح لرفع الظلم والإنتصار للمظلومين إلى زيف الدعاية لتحصيل مقاعد ومناصب وحصصا في السلطة والمغانم.
إن خطاب الديمقراطية والحرية والثورة ما لم يُشبَعْ بمضامين اجتماعية وما لم ينتصر للفقراء والمظلومين من مُعطلين وعمال حظائر ومهمشين في الأرياف وفي الأحياء الشعبية وفي الجهات المغدورة فلن يكون إلا خطابا زائفا ولن يكون أصحابه إلا غرباء عن واقع جزء كبير من الشعب.

ربما يقول بعض السياسيين إن المرحلة تقتضي ما لا ينسجم مع شعار الثورة فتفرض التعامل مع “أثرياء الحرب” ومع السابقين إلى “مقبض العصا” ومع المُمسِكين بناصية “الدولة” -عميقة أو سطحية- بل حتى مع أصدقاء الكيان الصهيوني ممن نحتاج دعمهم في الساحة الدولية وفي الصراعات الداخلية، ولكن لا يمكن أن يغفل سياسي عاقل عن حقيقة مفادُها أن الفقراء هم هشيم الحرائق القادمة وهم المنبت الخصب للنوازع الثأرية حين ييأس الشباب من العدالة في وطنه فيظن أنه يبحث عنها في عوالم أخرى سواء باللجوء إلى الهجرة السرية نحو “جنان” الغرب أو بالهجرة الإنتحارية نحو خيار الموت يظنه جهادا واستشهادا وسفرا إلى “جنان” الخُلد… إذا لم تُعالج بيئة الفقر فستكون مقبرة للديمقراطية وللحرية وستكون مثارًا لغبار الفوضى ولمشاريع الفتن والخراب و”الظلمُ مؤذِنٌ بخراب العمران” كما يقول بن خلدون.
وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “وإنهُ لنْ يَجْهَدَ الفقراءُ إذا جاعوا أو عَرَوْا إلا بما كسب أغنياؤهمْ” وفي قولة لعمر رضي الله عنه: “كاد الفقرُ أن يكون كُفرًا”.
وفي الشعر:
“إن الجائعَ لا يَقْدِرُ حَرْبَا
لا يَقْدِرُ ضَرْبَا
لا يَقْدِرُ صَدَّ العُدوانِ عن وطنٍ
لا يملك فيه رغيفًا أو مأوى”

شاهد أيضاً

السعودية: الانتقال المستحيل من المملكة إلى الدولة

عبد الرزاق الحاج مسعود تلخيص: تمثّل المملكة السعودية عنوانا سياسيا عربيا وإقليميا بارزا في التصدّي ...

اترك رد