الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / التربية على التصفيق.. اليوم نستقبل الزعيم وغدا تربية وتعليم

التربية على التصفيق.. اليوم نستقبل الزعيم وغدا تربية وتعليم

نور الدين الغيلوفي

تربية إلى الخلْف در:
جاء في الأثر: إِذَا أُسْنِدَ الأمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ.. وقيل: إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ.. وهل أدلّ على الساعة من هذا الذي نحن فيه من لخبطة تجعل الحليم حيرانا؟.. وما الساعة إن لم تكن هذا الذي نشهد من اختلال الموازين وذهاب العقل وفساد التدبير وسوء التسيير ورداءة التعبير؟.. أو ليست الساعة أن يضيّع المستأمَن أمانته من أجل صناعة مشهد سخيف قامت عليه في هذه البلاد ثورة؟ أليست الساعة أن يدير القائمون على التربية عجلة الأجيال إلى الوراء من أجل استنساخ مشهد مهين يحوّل تلاميذ المدارس إلى كومبارس في مسرحية سمجة بطلها رئيس الجمهورية في بلاد قطع نظامها السياسيّ مع ثقافة الزعيم الأوحد والمجاهد الأكبر وصانع التغيير؟
منذ 14 جانفي 2011 لم تشهد البلاد من جنوبها إلى شمالها، فيما أعلم، ما يشبه زمن الفساد والاستبداد والاستعباد من هذا المشهد السمج الذي أبدعته وزارة التربية ممثَّلة في مندوبها الجهويّ بولاية سوسة.. أبى هذا المندوب الموضوع في غير مكانه إلّا أن يلويَ أعناق التونسيين وأن “يبهجهم” بصناعة مشهد تحوّل فيه تلاميذ المدارس إلى جوقة تمارس التصفيق والصياح على قارعة الطريق بحضرة رئيس الجمهورية في يوم ممطر اشتدّت به الريح…

تغيير وجهة:
خرج التلاميذ من بيوتهم قاصدين مدارسهم وازدحمت بهم الطرقات والتحمت وسائل النقل، في ساعة الذروة، في اتّجاه المدارس والمعاهد.. ليس أبهج من مشهد التلاميذ يتداعون من كلّ حدب وصوب إلى مقاعد الدرس.. وجاء الأساتذة والمعلّمون.. وجاء عملةُ التربية وقيّموها والموظَّفون.. المدارسُ حدائقُ المدنِ والعلمُ الرحيقُ والتلاميذُ النحلُ.. والغيوم تسقي الحدائق من ماء السماء وتغري بالرحيق.. لكنّ السيّد المندوب أفسد المشهد العامّ ليصنع مشهده الخاصّ في مشهد نَيْروُنيّ كوميدي وقد تعلّقت همّته بعكاظيّة يقيمها على شرف رئيس الجمهورية القادم في زيارة للمدينة.. وليذهب المرفق العام إلى الجحيم.. اليوم نستقبل الزعيم وغدا تربية وتعليم!.
أرسلت والدة أحد التلاميذ شهادة لها على أمواج الإذاعة “أرسلت ابني للدراسة بالمدرسة الإعدادية النموذجية.. ولمّا فتحت جهاز التلفزيون لمتابعة تغطية زيارة رئيس الجمهورية لولاية سوسة شاهدت ابني مع أترابه تحت المطر والريح بأيديهم أعلام وهم يصيحون “يحيا الباجي”.. ولمّا هاتفت ابني قال لي: ماما.. لقد أخرجونا من الأقسام وأخذونا لاستقبال الباجي.. وواصلت المرأة شهادتها ” بربّي فهّموني.. هل أقمنا ثورة؟ ما الذي تغيّر؟ ما الفرق بين يحيا بن علي ويحيا الباجي؟”.

المندوب عملها وهو صغير:
لقد طلب السيد المندوب بهجته “السياسيّة” وأرضى نزوته الوصوليّة على حساب بهجة المعرفة.. وفضّل تعطيل الدروس وغلق المدارس واستعمال الناشئة.. وتربيتهم لزمان، غير زمانهم، بغيض حسبناه قد ولّى..
نشأ أبناؤنا في زمن التحرّر من الكوابح والكوابت والاستعمال المهين.. ولكنّ السيد المندوب أراد لهم أن يحاكوا سيرته طفلًا “أحنا الكلنا عملنا وأحنا صغار”! هكذا قال سيادتُهُ في تصريح إذاعيّ.. وأذن لهم بأن يخرجوا من زمن الحرية الذي أهدتهم إيّاه الثورة لينخرطوا في زمنه هو الذي قامت عليه الثورة وأن يعملوا مثما كان هو يعمل…
وبأمر من المندوب الجهويّ للتربية تعطّل المرفق التربويّ بمدينة سوسة في سبيل “يحيا الرئيس”.. ليحيا الرئيس وليذهب التعليم إلى الجحيم.. ليحيا الرئيس ولتغلق المدارس أبوابها.. ليحيا الرئيس وليعد الأساتذة والمعلّمون من حيث أتوا.. ليحيا الرئيس وليتعطّل كلّ شيء.. ليحيا الرئيس ولتتوقّف الأرض عن الدوران.. ومادام الرئيس مارّا بحيّنا فلنجزل له من تعابير حبّنا…

التربية على المواطنة لا التربية على التصفيق:
لو كان السيد المندوب واثقا من نفسه مؤمنا بكفاءته لألزم نفسَه بحماية منظوريه من تلاميذ المدارس ولكان احترامه لهم أكبر من كلّ شيء.. ولتجنّب السقوط بهم في مستنقع الولاء السياسيّ للحاكم مهما كان الحاكم.. ولو كان يعلم ما للمدرسة من “مساهمة أساسية في إقامة مجتمع يحظى فيه الجميع بالتقدير والاحترام لاحترم المدرسة وقدّس العلم والوقت ولما تجرّأ على قطع الدروس وتعطيل التعلّم.. ولو أنّه يفقه ما تحتاجه التربية على المواطنة من تحرير للإنسان” لجعل همّه تحرير التلاميذ من كلّ تبعيّة ولرفعهم عن المنخفضات السياسية ولجنّبهم المزالق الإيديولوجيّة…

ولكنّ المندوب يكذب:
صرّح المندوب في إجابته عن سؤال إذاعيّ ” ثمّة بعض التلاميذ اللي حبّوا باش يشوفوا.. حبّوا باش يشاركوا.. حبّوا يعملوا كيما عملنا الكلّ وأحنا صغار…”
ولقد ضبط المذيعُ الجريءُ مندوبَ التربية متلبّسا بكذبه فطالبه على أمواج الأثير بالاستقالة لما في كلامه من أكاذيب ومغالطات..
لقد ربّينا أبناءنا، منذ تعلّموا الحبو والنطق، على تجنّب قول الكذب والعمل به لأن الكذب سيّء.. وهو حرام لمن رضي تربية أبنائه على ثقافة الحلال والحرام.. وصارت لنا في التربية مقاييس عنوانها التفرقة بين الصواب والخطإ وميز الحقّ من الكذب.. غير أنّ السيد مندوب التربية كذب على الملإ وصرّح بعكس ما كان ممّا أذن به من إخراج التلاميذ لاستقبال رئيس الجمهوريّة.

#المندوب_الجهوي_للتربية_بسوسة نجيب الزبيدي يصرح : التلاميذ هم من أرادوا استقبال الرئيس !!!

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد