الثلاثاء ، 17 أكتوبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / زمن الهرولة نحو إسرائيل.. سيرة عبد الله التطبيعي

زمن الهرولة نحو إسرائيل.. سيرة عبد الله التطبيعي

سمير ساسي

هل علينا أن نسير في البلدان العربية والإسلامية لنعرف متى بدأ مسلسل الدعوة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، وكيف وهل تجدي مثل هذه المعرفة أم أنها من باب علم لا ينفع وجهل لا يضر؟ أسئلة فرضت نفسها علينا وقد بدأت كرة التطبيع الثلجية تتدحرج بسرعة البرق في عالم عربي لم تعد له بوصلة قيم توجهه، وصار هم قادته أو بعضهم أن يهرول نحو العدو الوجودي والعقائدي مرتميا في أحضانه مسفها كل تاريخ أمته وإخوانه في أصقاع هذا العالم الذي يكاد أن يصير هباء بعدما قدم للعالم زبدة عقله وقيمه في غابر الزمن.

لا يهم أن نعرف متى تدحرجت كرة التطبيع أول مرة، ولا كيف ولا من دفع بها للتدحرج، فقد تدحرجت وانتهى الأمر، بل لنقل بدأ في إرسال رجاته الارتدادية ما لم يتصدى لذلك عقلاء هذه الأمة ونخبتها التي تعي أن التطبيع مع الصهاينة يعني فناء العالم العربي والإسلامي.. لنتفق أن عبدالله التطبيعي هو أول من دحرج كرة التطبيع وأن عبدالله هذا اسم متعدد لحالات مختلفة تلتقي عند تأكيد حقائق كثيرة تشخص مرض الاجتماع السياسي العربي والإسلامي.

عبد الله التطبيعي برز في السعودية وقد سعى أمير منها سرا وخفية حياء من صنيعه إلى حيث يعرض خدماته على عدوه مستجديا رضاه واعدا إياه بحسن الجوار، وقد انتبه في مرحلة طفولته المتأخرة أن إكرام الجار من الإيمان بالله واليوم الآخر، ولم ير غير الجار بالجنب، أما جار القربى فضاق به ورآه حجر عثرة أمام تقاربه مع الجار بالجنب، فعاداه وآذاه وطالبه بالتطبيع أو القطيعة.

عبد الله التطبيعي برز في الإمارات أيضا، ولعله كان البادئ هنا سرا قبل غيره، ونشر العدوى وتبعه إليها كثيرون، فسعى سفيرها الممتشق عمامة خضراء في كازينوهات بلاد العم سام الراعي الرسمي للكيان الصهيوني إلى رسم الطريق نحو التطبيع وضبط بوصلة العالم العربي في هذا الاتجاه وتعددت مؤامراته وخططه السرية التي انكشفت على أيدي من ارتمى في أحضانهم.

عبد الله التطبيعي حين برز في الإمارات لم ينس أن يبدأ مراسم التعريف بنفسه بالدم حين يسر لمخابرات العدو قتل المبحوح أحد قادة المقاومة، فلم يعد يليق بالعرب أن يكون لهم مقاومة تخرج عن طاعة ولي الأمر وتؤذي جيرانهم بالجنب.

عبد الله التطبيعي تجلى أيضا في صورة ملك على مملكة البحرين يدين مقاطعة الكيان الصهيوني، فلا يرضى وهو الملك من سلاسة الأكارم أن يقطع رحم بني عمه الذين أسالوا دم إخوانه في صبرا وشاتيلا في مثل هذه الأيام من ثمانينيات القرن الماضي حين كان العار أن تذكر الصهاينة باسم إسرائيل، أما اليوم فعبد الله التطبيعي يتحرك بنشاط لا مثيل له يحشد الناس ويؤذن فيهم أن بني عمومتنا من الصهاينة واجب وصل رحمهم، فالرحم موصولة بعرش الرحمن ومن قطعها قطعه الرحمن.. هكذا يلجأ عبد الله التطبيعي إلى لي عنق القرآن ويرتمي في أحضان الدين ليستر عوراته ويلجم المشككين في صواب قراراته.

كذلك فعل حين ظهر في السودان أيضا.. نعم عبدا لله التطبيعي ظهر في السودان حين طلع علينا وزير الاستثمار السوداني وقال إن حماس صنيعة إسرائيل وأن القضية الفلسطينية هي العائق أمام تطور العرب وأن العرب لا مشكل لهم مع إسرائيل.. عبد الله التطبيعي في شكله السوداني لخص ما يراه عائق العرب أمام التطور وهو رفض التطبيع مع الصهاينة، وهو الخبير في الاستثمار المفقود في بلده والغائب عن العرب جميعا، فلم يعد للغاضبين من عامة العرب أن يلوموا وزراء الاستثمار في بلدانهم ولا أولياء الأمور عموما إن أنقصوا في المؤونة وضيقوا عليهم في الرزق ومنعوهم التشغيل، وأكلوا أموالهم وعجزوا عن توفير الرفاه لهم؛ ما داموا يرفضون التطبيع مع الصهاينة. لقد أعذر من أنذر، هكذا يقول عبد الله التطبيعي في شكله السوداني للعرب وهكذا قالها نظراؤه ممن تشبه بهم وتشبهوا به قولا واحدا لا حلّ لكم إلا التطبيع مع إسرائيل.

لعبد الله التطبيعي هذا شكله الأصيل الذي تفرعت عنه أشكال مسوخ، إنه عبد الله التطبيعي المصري ذاك الذي حاكم أول رئيس منتخب للبلاد بتهمة التخابر مع حماس المقاومة ثم باع جزيرتين من أرضه ليدفع بشبيهه السعودي الذي اشترى الجزيرتين للتطبيع مع الصهاينة. أما عبد الله التطبيعي في بلاد الشام والأردن وغيرهما، فيحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين وبعضه منشغل بقتل الغاضبين من شعبه، فهم أولى برصاصه ونيرانه من بني عمه الصهاينة.

لقد انتبه عبد الله التطبيعي الواحد المتعدد الجاثم على صدور العرب في بقاع مختلفة من بلاد الإسلام وعداء الصهاينة أنه تأخر كثيرا في القيام بواجب صلة الرحم، وأن عليه أن يكفّر عن ذنب تأخره ويستغفر لذنبه عند بني عمومته من الصهاينة ولا يراعي إلاّ ولا ذمة في أهله وقبلته الأولى والحرم الثالث، فكل ذلك أمور لم تعد تنسجم مع السعي نحو العلمانية التي تنتظر دول المنطقة لتنتقل بهم على الرفاه الأعظم والسعادة الكبرى.

عبد الله التطبيعي لم يعد يشعر بالندم الذي شعر به يوما الكاتب سهيل إدريس لترجمة كتب جون بول سارتر حين سمع به يؤيد دولة الكيان الغاصب، إدريس يومها قال لسارتر: “المثقفون العرب آسفون لسقوطكم. أنتم أيضا ضحية التضليل الصهيوني، أعاني ندما عميقا لترجمة كثير من كتبك وتقديمها للقارئ العربي، فقدان المثقفين العرب ثقتهم بكم لن يزيدهم إلا إيمانا برسالتهم في الدفاع عن الحق العربي في فلسطين”. لكن يبدو أن سهيل إدريس لم يعرف عبد الله التطبيعي ومكره وضعف الهمة عند المثقفين في زمن عبد الله الذي بذل المال سخيا على ذمم المثقفين حتى توجهوا نحو تفكيك البنى الداخلية لمجتمعاتهم التقليدية ليسهل التطبيع. نزع عبد الله التطبيعي الجديد قناعه القديم وملأ وجهه صفاقة ولم يستح، ويسخر إن كان أمثال إدريس ما زالوا يحيون على أرض العرب، فلا بد له من قتلهم وتشريدهم حتى لا يزعجوا قافلته نحو بني عمومته من الصهاينة.

حين نقرأ سيرة عبد الله التطبيعي ندرك أن الاستبداد والانفراد بالرأي وسلب الشعب حقوقه، وعجز عبد الله هذا عن الإنصات للناس كلها دفعت به إلى هاوية الذلة والمهانة وضياع البوصلة، لكن هل يحق لنا أن ندعو هذا التطبيعي بعبد الله فننسبه إلى الله الذي حرّم الأرض المقدسة على الصهاينة، ربما تبقى لعبد الله صفة العبودية الوجودية الكرهية نسبة للخالق فقط، أما صفة العبودية الطوعية فقد نأت بها مسافات الهرولة نحو الصهاينة التي قطعها عبد الله سرا وعلانية دون الالتفات إلى نهي الله له عن مساندة المجرمين والظالمين والمغتصبين.

تعددت الآلهة في زمن التطبيع، وانفتح باب الشرك فلم يعد لعبد الله وجه واحد، وقد آثر أن يركن إلى الذين ظلموا ونهبوا الأرض وشردوا الفلسطينيين وانتهكوا المقدسات، ركن إليهم معلنا أن الخجل ألا تكون تطبيعيا مطبّعا، وليس العكس، فقد دالت الأيام حسب رأيه، وآن لنا أن نرتاح من تعب المقاومة والنضال، لكن عبد الله التطبيعي وهو يحث الخطى نحو الصهاينة لم ينتبه إلى صوت الشعوب الهادر يزحف ليدك عروشه، كذلك هو شأن الطغاة والخونة غفلة حتى النهاية.

مدونات الجزيرة

شاهد أيضاً

“ما رأيك في الدكتور عدنان إبراهيم” ؟

بشير العبيدي #أقولها_وأمضي “ما رأيك في الدكتور عدنان إبراهيم” ؟ هذا السؤال كتبتْهُ لي أنامل ...

اترك رد