الإثنين ، 20 أغسطس 2018

عشق وجنون

نور الدين العويديدي

يومها كنت مجنونا حقا.. عاشقا جدا.. لا تسعني من فرحي الأرض والسماوات.. وكنت حزينا جدا.. بائسا جدا.. تنهمر دموعي وتخنقني الغصة لأبسط شيء.. وأدنى كلمة.
كان ذلك ذات شتاء، غير بعيد من زماننا هذا، وكنت في الخامسة والاربعين من عمري.. كهل خط الشيب كثيرا من قصائده البيضاء في شعر رأسي الذي شاب قبل الأوان..

رائحة الاكروموجان لا يزال بعض بقاياها في حلقي.. وجو الفرح والخوف لا يزال شيء منه يختلج حتى اللحظة في صدري.. والحلم كان كبيرا والجنون كان أكبر.
خرجت من الفندق الفخم، حيث كنت أعمل، منتج أخبار في فريق الجزيرة الذي وصل للتو في تغطية حية مفتوحة.. وفي النفس بركان من مشاعر متناقضة.. بعض الرصاص يلعلعل بين الحين والحين.. وطلقات الاكروموجان لا تتوقف.. صياح وهدير وغضب في الشارع.. كر وفر.. والبلد واقفة على شفير الهاوية..
لقد فر المخلوع.. لكن خلفاءه لم يفروا.. مازالوا لم يشبعوا بعد من الدم.

كنت أتحسس المدينة.. أستعيد ذكرياتي القديمة معها.. لقد نسيتها ونسيتني.. عشرون عاما وأشهر مرت على آخر مرة وطئت فيها قدماي شارع بورقيبة.. حتى الاتجاهات ضاعت مني.. حين أريد أن أذهب إلى الاسواق أجد نفسي أسير في اتجاه الساعة.. وحين أسير في اتجاه الساعة أجد نفسي في اتجاه الأسواق.
ابن خلدون وحده ظل علما شامخا في مكانه.
أتبع خطو المظاهرات الصاخبة.. أقلب الوجوه.. لا أجد وجها يعرفني وأعرفه.. أعود للفندق حزينا.. أغلق باب غرفتي وأبكي بكاء العشاق الموجوعين..
يا لهذه المدينة الجاحدة.. لا أحد فيها يعرفني ولا أعرف فيها أحدا.
في ذلك المساء البعيد خرجت قبيل الغروب.. لم أخرج وحدي.. خرجت وصديق عائد مثلي من منفى طويل.. خرجنا من الشارع الرئيس نحو أنهج فرعية..
وقفنا أمام حماص.. وقفت أتأمل وجوه الناس.. ولفتت نظري رؤية النقود.. بدت لي مثل اوراق ملونة صنعت للعب الاطفال.. شعرت كأنها أوراق لعب لا غير.. ففي عشرين عاما تغيرت معظم الأموال الورقية.. لم أشعر للحظة أنها أموال.. بدت لي حقا مثل ورق لعب..
حين رأيت المائة مليم هجم علي شعور غريب.. لقد وجدت أخيرا عملة أعرفها..
كنت كتائه عن طريقه بلغ به الإعياء مبلغا ووجد آخر الأمر علامات تدله على الطريق.. فعادت إليه الروح بعد يأس.. وعاد بي الخيال إلى طفولتي.. حين كانت مائة مليم ثروة كبيرة عند طفل..
تذكرت أن مائة مليم كانت حصاد يوم كامل من التعب والنصب في “تطميش” الزيتون.. تذكرت كيف أضاعها أخي الأصغر في ليلة شتوية لا نور فيها.. تذكرت كيف غربلنا التراب بالغربال حتى عثرنا عليها.
رؤية المائة مليم أعادت لي الثقة بأني نبت من هذه الأرض.. جرأني ذلك الشعور الرائع بالانتماء.. سألت البائع هل مازال الدورو والعشر مليمات والعشرين والخمسين.. ضحك مني وأعطاني منها “كمشة”..
شرعت أنظر إليها بود.. وبعد وهلة اقترضت من صديقي خمسمائة مليم اشتريت بها مائة وخمسين وعشرة وعشرين ودورو.. واشترى لي صديقي مائة غرام كاكوية (فول سوداني).. ودخلت الفندق أكاد أطير فرحا.. في جيبي دورو وفي يدي مائة غرام كاكوية.

ها أنا اليوم بعد مرور السنين أستعيد ذلك اليوم البعيد.. لقد كنت يومها مجنونا عاشقا مليئا بالحلم..
ماذا بقي اليوم من الحلم الجميل؟.. لست أدري حقا.. أحيانا أراه تبخر ولم يبق منه شيء.. وإحيانا أتحسس ما تحت الأضلاع فأجده مختبئا ينتظر يوما لا أدري متى يأتي.

شاهد أيضاً

مملكة الخوف

صالح التيزاوي تأتي الأخبار من السّعوديّة بما يبعث على الحزن لما آل إليه وضح الحقوق ...

اترك رد