الثلاثاء ، 14 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / عند باب المدرسة.. عن مأزق المدرسة العمومية

عند باب المدرسة.. عن مأزق المدرسة العمومية

نور الدين الغيلوفي

عند باب مؤسسة تربوية التقيت صديقين.. سألتهما قهوة فاعتذر الأوّل بأنّه يتعجّل استخراج شهادة مدرسية لابن له يعتزم نقله إلى مدرسة خاصّة.. وقبل أن يبديَ الثاني رأيه دخلت في جدال مع الأوّل لأنّ قوله استفزّني أنا من يزعم غيرة لا متناهية على التعليم العموميّ رغم كلّ شيء.. قلت:
ولمَ تساهم في دعم التعليم الخاصّ على حساب التعليم العموميّ بولدك ومالك؟ ألا ترى بأنّك إنّما تأتي إثما وطنيا كبيرا؟
ورحت أحاضر في وجوب نصرة المدرسة العمومية والدفاع عنها.. فهي مهما بلغ بها الانحدار تبقى أفضل من رأس مال جشع يريد انتهاب أموال الناس بدعوى تقديم البديل التعليميّ وهو يتحرّك في فلك التعليم العمومي.. يعتمد مدرّسيه ويطبّق برامجه ويستعمل كتبه ويتّبعه خطوة بخطوة.. وقلت إنّه لا فضل للتعليم الخاصّ إلّا في بعض الخدمات اللوجستية التي تظل مجرّد مسوح لغواية القادرين على إنفاق المال لخلاص أبنائهم من جحيم المدرسة العمومية ولإراحتهم من مراقبتهم المستمرّة لهم وقد استأمنوا عليهم جدران مؤسّسة خاصّة لا ترى في التلاميذ قيمة تتجاوز ما يصلهم من جيوب آبائهم..

بعد أن أنصت صديقي لمحاضرتي وقد ظننت أنني بما قلته قد صرفته عن وجهته التي اعتزَم تولّيها، قال:
شوف سيدي… ولدي تلميذ متميّز.. حصل في السنة الماضية على معدّل يقارب 17 من 20.. لا أقول إنه ملاك ولكنه صبيّ عاديّ قد لا يختلف كثيرا عن أقرانه غير أنّ فضاء المدرسة بات خطيرا وما عدت آمن عليه مدرستكم التي تدافع عنها.. هذا أوّلا.. وثانيا.. وقبل أن يمرّ إلى ثانيا قاطعته:
اعلم أنّ المدرّسين في المؤسسات الخاصّة هم أنفسهم أبناء المدرسة العمومية.. هنا ينفقون جهدا أصيلا.. أمّا هناك بين يدي الخواصّ فيقدّمون بقيّة الجهد لا غير.. هنا أُطُرُ إشراف تسهر على التربية إداريا وبيداغوجيا.. وهنا مسؤوليات مدنية وإدراية وبيداغوجية..

ههنا قاطعني هو قائلا:
اعلم يا سيدي أنّ من المدرّسين من لا يحضرون للتدريس إلّا نادرا.. وفي كلّ مرّة يعود إلينا الولد بحجّة أنّ المدرّس الفلاني متغيّب عن الدرس.. الغياب تبرّره شهادة طبيّة بخمسة دنانير لا غير أو بعشر.. الدروس متقطّعة والبرامج لا تكتمل.. وحتّى وزيركم السابق لم ير في ذلك عيبا.. والأداء هزيل وأنا، بصراحة، تعبت من مدرستكم وأريد لولدي أن يملأ وقته بدروسه بعيدا عن عبث العابثين.. لا مال لديّ كثيرا لأنفقه في ما لا يعني ولكنّني أنفق إنفاق المُكرَه.. وليس لديّ من استثمار في هذه الدنيا سوى أولادي، وأضاف:
هل تعلم أنّ المدرّسين الذين تمتدحهم يتغيّبون عن المدرسة العمومية أكثر ممّا يحضرون؟.. وإذا حضروا كان أداؤهم هزيلا لا يغني ولا يسمن من جهل وإن هم دخلوا المدراس الخاصّة ضاعفوا جهودَهم كما لو أنّهم استبدلوا محرّكاتهم.. لعلّك لا تعلم أنّ أداء هؤلاء مزدوج.. ولا علاقة بين الأدائين يا سيدي…
ليس من العدل أن تركّز مجهرك على بعض الأمراض الموجودة في مختلف القطاعات ضمن ثقافة لا تقدّر العمل لتحكم بمثل هذا التعميم على أنبل شريحة في المجتمع أعتبرها آخر قلعة تحتمي بها القيم في هذه البلاد…

ضحك صديقي ضحكا أمضّني.. ربّت على كتفي لمّا رأى من انزعاجي وقال:
قيم!.. أوه على القيم!.. أكبر خطر على القيم يأتي من حرّاس القيم.. خذ عندك.. أنا مهندس معماريّ.. لديّ صلات بكثير من الشرائح وأجلس كثيرا بالمقاهي وأسمع من الناس ما أعجز عن فهمه.. هنا يا سيدي تجد النقابي الذي لا يُسأل عمّا يفعل فإذا غاب كان غيابه لأمر جلل!.. وما أكثر جلل هؤلاء!.. المهامّ النقابية لديهم أقدس من تدريس أبناء الشعب.. ومن يجرؤ على مسألة نقابيّ في هذا الزمان؟
وهنا يا سيدي تجد زوجة النقابيّ وصديق النقابيّ وصديقة النقابيّ وبنت خال النقابيّ وشقيقة زوجة النقابيّ… لقد ابتعلت النقابات التربية وهضمتها ولا ندري أين صرفتها.. كنّا نشكو من التجمّعيين ولمّا قامت الثورة استبشرنا.. ولكن هجم علينا النقابيون من كل ناحية فلا تعليم ولا صحّة ولا أمن ولا خدمات ولا دياولو.. ليت التجمّع يعود وتعود النقابات إلى بيت طاعته حتى نستعيد الأمل يا صاحبي.. لقد ذهبت النقابات بالأمل..
…….
لقد كنت ضدّ وزير تربيتكم السابق.. ولكنّ عزله تحت ضغط النقابات جعلني أكفر بتربيتكم وبمدرّسيكم وبكلّ القيم التي تدّعون حمايتها.. كلّكم شركاء في الجريمة.. ولا أستثني أحدا.. أنتم المسؤولون عن تضييع المدرسة العموميّة وإن تظاهرتم بالدفاع عنها.. بغبائكم ستهدمون المعبد على جميع من فيه.. وبحمقكم ستزيدون من ثراء الأثرياء وستبلّغونهم مدارج الفحش على حساب أبناء الشعب المسحوقين.. وستقسمون الناس إلى فصيل يبيع ما عنده ليدرّس أبناءه بعيدا عن وصايتكم بين يدي الأثرياء ولصوص المال لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.. وفصيل سيُضطرّ إلى البقاء رهينتكم. ولن تنتج حماقتكم غير أحد اثنين: متطرّف يفجّر نفسه فينا ومنحرف يشيع الرذلية بيننا.. وسلّم لي على قيمكم التربوية الأصيلة!…

هنا تعطّلت لغة الكلام.. كتمت غضبي.. صافحت صديقي الذي لم يعد صديقي وتركت صديقي الثاني وانصرفت لا أكاد أبصر شيئا…
اللعنة…
أنا موجوع…

شاهد أيضاً

السيادة الحضارية المعارضة التونسية بين صيد الفرص و”نمط الفترينة”

أبو يعرب المرزوقي هل يوجد في تونس معارضة سياسية حقا؟ هل الأحزاب “الذرية” التي تتألف ...

اترك رد