الإثنين ، 11 ديسمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / إصلاح المنظومة التربوية في تونس : الإمكانات والعوائق

إصلاح المنظومة التربوية في تونس : الإمكانات والعوائق

فوزي الطلحاوي

لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم العموميّ في تونس دون الحديث عن تراجع الوعي بقيمته لدى التوتسي عموما، نظرا لما رافق المسيرة التعليمية في بلادنا منذ ما سُمِّيَ “بإصلاح محمد الشرفي” مرورا بإرساء التعليم الأساسي سنة 1993 حتّى إصلاح 2002، وصولا إلى مرحلة ما بعد الثورة وما رافقها من تراخ وتسيّب وإهمال، خاصّة في المدارس النائية أو التي تقع في مناطق ساخنة…

وفي خضمّ الإرباك والضبابيّة وانسداد الآفاق لجأ سماسرة التعليم إلى “الدّجل التّجريبي” المتعمّد والمتكرّر، تحت شعارات رنّانة في ظاهرها خاوية في واقعها، فكانت مقولات “مدرسة النّجاح لا مدرسة الفشل” لتبرير ظاهرة النجاح الآلي وتغيير نظام التّقييم لأنّ التّقييم الحقيقيّ سيكشف قطعا عن فظائع الجريمة المنظّمة التي مارسها النظام في حقّ أجيال إمّا تسّربت مدرسيّا بصورة مبكّرة أو وجدت نفسها وجها لوجه مع الشارع والبطالة في ظلّ سوق شغل مكبّلة بالبيروقراطيّة والمحسوبيّة والرّشوة والفساد التي نخرت جسم الدّولة وعشّشت فيه، بذلك، أخذت ثقة التونسيّ تتراجع في دولته ومن ثمّة في تعليمه والمشرفين عليه، وقد مثّلت دولة ابن علي المخّرب الرّسمي للتعليم بامتياز، حيث مثّل التلميذ التونسي ومن ثمّة المدرسة التوتسيّة حقل تجارب لمنظومات تربويّة مستوردة ومسقطة كمنظومة الكفايات التي أجبرت المدرسة الأساسيّة على تطبيقها دون مراعاة لشروطها ومتطلباتها ووسائلها، في ظلّ مدارس أغلبها يفتقر لأدنى شروط التّعليم والتعلّم.

أمّا وقد عرف التونسيون حجم الخراب الممنهج الذي ضرب المدرسة العموميّة، لو لا رجال ونساء من ابناء التعليم أعطوا من جهدهم وإمكاناتهم للمدرسة، وهم لا ينتظرون اعترافا ولا شكورا، ولو لا حرص ذاتيّ من الأولياء على إنجاح أبنائهم، لكانت النتائج أكثر سوءا. فما هي إمكانات إصلاح التعليم العمومي في تونس حاليّا ؟
تبدو إمكانات إصلاح التعليم العموميّ محدودة جدّا، نظرا لما يتطلّبه الإصلاح التربوي من إرادة سياسيّة وإمكانات مادية ضخمة، ففي ظلّ عجز الدولة ماديّا عن إصلاح مؤسّساتها التربوية وترميمها وصيانتها، ناهيك عن تجهيزها بأحدث الوسائل التربويّة والبيداغوجيّة، يصبح الحديث عن إصلاح التعليم ترفا فكريّا وشعارا سياسيّا ونقابيّا.
وبما أنّ الإرادة الصادقة من جميع الأطراف غير متكرّسة حاليّا في ظلّ الانقسام المجتمعي وحالة الاستقطاب السياسي لا يمكن ان نصلح ما يمكن إصلاحه من فساد نخر التعليم لعقود طويلة من الزمن ونحن لا نمتلك أدوات الإصلاح المجمع حولها ولا الرّؤى الإصلاحيّة المستركة، فماذا سنصلح ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟
أمّا وقطاع التعليم العموميّ مرهون لدى لون سياسيّ يتخفّى بزِيٍّ نقابيّ يتّخذه “قرون نطاح” للحكومات المتعاقبة ويجعل التلميذ رهينة لشطحات سياسويّة / نقابويّة، فلا طائل من طرح إصلاح التعليم في الظرف الرّاهن، فالنّقابات التي فشلت في إيقاف تمرير مشاريع تعليمية مغشوشة ومدفوعة الأجر لعقود من الزمن هي كذلك غير مؤهّلة لأن تُؤمًّن على إصلاح التّعليم، حتّى تحيّد نهائيا النشاط النّقابيّ عن التجلبب الحزبي، كما هو حال المشهد النقابي اليوم.

إضافة إلى ما ذكرنا يبدو أنّ الأطراف التي تعرقل إصلاح التعليم هي نفسها التي ترفض فكرة التعليم التضامني Fondation، وليس كما قيل مغالطة “التعليم الوقفي”، فالتعليم التضامني ليس بالضّرورة وقفيّا، بل هو الصيغة المثلى لمساهمة الخواص في دعم المدرسة العمومية دون التّدخّل في تسييرها او المساس بعموميتها وتحييدها.
ختاما مسألة إصلاح التعليم ليست مسألة تقنيّة فحسب، بل مسألة مجتمعيّة في جوهرها، وهنا مربط الفرس، فالمعركة ليست حول البرامج باعتبارها برامج وليست حول التقييم من حيث هو تقييم، وليست زمنا مدرسيّا على أهميته، بل المنافسة سياسيّة ثقافيّة هوويّة، فعندما يستفتى الشعب التونسيّ على مستقبل كينونته سيسهل حلّ اللّغز.

شاهد أيضاً

الرئاسة لا تكذب كذبة مستشارها !!

عبد اللّطيف درباله إستدعاء السبسي للسفير الأمريكي بتونس واستقباله لتبليغه الاحتجاج الرسمي لبلادنا على قرار ...

اترك رد