الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / عائد إلى أرض الوطن

عائد إلى أرض الوطن

محمد الناصر رابحي

ترقرقت الدّموع في عينه وهو يرى أرض بلاده من خلال نافذة الطّائرة التي كانت تستعدّ للهبوط في مطار تونس قرطاج الدولي… خمس سنوات من الغربة لم يكحّل فيها عينه بمرأى ربوع بلاده… اشتاق إلى كلّ شيء فيها، صحاريها ومدنها وشواطئها وجبالها وتلالها…

حطّت الطّائرة على أرضيّة المطار واستعدّ للنّزول ومعانقة نسائم وطن هجره لسنوات، بدأ المسافرون في مغادرة الطّائرة وساروا في رواق طويل نحو مكتب ختم الجوازات… انتظر دوره وقد اصطفّ مع القادمين في نظام واحترام اعتاده في بلد المهجر… ما إن وصل إلى ضابط الجوازات حتى سلّم عليه وحيّاه وكانت أوّل صدمة له بعد عودته حيث لم يردّ عليه الضّابط سلامه ولا تحيّته بل بدا له متجهّم الوجه عبوسا، سارع بتسليمه جواز السّفر، عاقد الحاجبين بدأ ذلك العون في تصفّح الجواز ومقارنة الصّورة الشّخصية المضمّنة بوجهه… قبل أن يرمي له جوازه دون أن ينبس بكلمة واحدة…

منزعجا تحوّل نحو مكان استلام الأمتعة، حيث قضّى أكثر من ساعة كاملة لتصل أمتعته عبر الحزام المتحرّك، صدمه مشهد إحدي حقائبه وقد تم فتحها بطريقة “عنيفة”.. تفقّدها بسرعة ليكتشف اختفاء أكياس الشّكلاطة والفواكه الجافّة وحتى بعض زجاجات العطر الفاخرة… حاول الإتّصال بالمكتب المسؤول عن قسم الأمتعة ليقابل بجفاء شديد قبل أن يطلبوا منه تعبئة استمارة في فقد أمتعة، لم يفهم لما يُعامل بكل ذلك الجفاء والبرود… بل حتى سلامه لا يُردّ…

حمل ما تبقّى له من أمتعة وما إن خرج من باب المطار حتّى “هاجمه” شخص وسحب منه عربة الأمتعة بالقوّة ليتبعه نحو سيّارة تاكسي رابضة أمام المطار… وسرعان ما طالبه ذلك الشّخص “بأجره” مشدوها من المشهد مدّ يده وأخرج له بعض “العملات المعدنيّة” الّتي ظلّت معه منذ سفره من تونس قبل سنين… لم يكتف ذلك الشّخص بما أعطاه بل خطف منه ما تبقّى في يده!

صعد سيّارة التّاكسي متّجها إلى محطّة المنصف باي لسيّارات الأجرة، وما إن وصل إلى المحطّة، حيث سارع سائق التّاكسي مبتسما بإنزال أمتعته “مرحّبا به في وطنه”… ظنّ للوهلة الأولى أنّها “طيبة التونسي” وشهامته قبل أن يعرف سبب ذاك الكرم المبالغ فيه… حيث طالبه السائق بخمسين دينارا… وما إن عبّر عن دهشته حتّى تغيّرت ملامح ذلك الشّخص ولغته وتطاير الشّرر من عينه والرّذاذ من فمه مردّدا عبارات من قبل “كولونا في حقنا يا جواعة”… مدّ يده وسلّمه أربعون دينار أرضت بعضا من “نهم” سائق التّاكسي الّذي انصرف شاتما من أسماهم بـ “جواعة”.

في مدخل المحطّة صدمته رائحة الفضلات والأوساخ الملقاة في كل مكان، حاول أحدهم تحويل وجهته نحو سيارة أجرة رابضة في الخارج قبل أن يتفطّن له سائق آخر وتدور معركة كلاميّة حامية الوطيس فيها من “الكفر” و الشّتائم بكلّ أصنافها وألوانها… أحسّ بضيق كبير وهو يُجبر على سماع شتم للذّات الإلهيّة وشتائم “جنسيّة” مقزّزة… إستغفر الله وحوقل وهو يضع أدباشه في مؤخّرة سيّارة الأجرة المتّجهة إلى الجنوب…

تقدّمت منه في الأثناء فتاة في مقتبل العمر طالبة منه بعض النقود لتكملة ثمن تذكرتها نحو مسقط رأسها أعطاها بعضا من المال قبل أن يجلس في الكرسي الأمامي إلى جانب السّائق… ليُطلّ عليه من جديد أحدهم مرتديا شاشيّة و جبّة وفي يده دفتر وصولات طالبا منه التبرّع لبناء مسجد، مدّ يده ثانية وأخرج كلّ ما تبقّى له في جيبه من “صرف” وقد داهمته حالة من الإحباط والحزن…

أغمض عينيه وسط فوضى عارمة وضجيج المسافرين والسّائقين وشتائم من هنا وهناك ورائحة لا تطاق نابعة من أكداس الفضلات التي تحتلّ المكان ومحيطه…

أهلا بكم في تونس…

شاهد أيضاً

أشعر بالعار

خير الدين الصوابني أشعر بالعار عندما اعلم أن على بعد بضع كيلومترات من بلدي انبتت ...

اترك رد