الجمعة ، 22 سبتمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / حول قانون الإرث ومأزقنا العربي…

حول قانون الإرث ومأزقنا العربي…

عبد الرزاق الحاج مسعود

يجري في أرض العرب اليوم جدل سريالي انطلق من تونس حول مراجعة قانون الإرث وحرية زواج المسلمة بغير المسلم وعودة حروب الهوية وموقع الدين في حياة “المجتمع العربي الإسلامي”.

أطراف عديدة تلتقي حول عدم جواز المسّ بأحكام الميراث لأنها من “المقدّس”، وإن اختلفت وربما تناقضت عند هؤلاء أسباب القداسة :

فهي (تلك الأحكام) نصّ “قطعي الثبوت والدلالة” وأمر إلاهي نهائي لدى السلفيين ومؤسسات الإفتاء الأزهري والسعودي التي تلتقي حول قراءة لازمنية ظاهرية حرفية للنصّ.
وهو لدى العروبيين بصيغتهم الجديدة/القديمة (الناصريين/البشاريين.. إذ يبدو أن كل التيارات القومية توحدت أخيرا تحت راية بشار في صيغته الدينية الإلهية الجديدة) مسّ من مقوّم أساسي من مقوّمات الهوية القومية والحضارية للعرب التي يقدّرون أنها لا تزال تحتاج إلى الدين كمصدر تميّز ثقافي روحي يبرّر لهم الحديث عن الرسالة الخالدة التي بشّر بها طويلا ميشيل عفلق وألهمت بعض منظري القومية “فلسفة عربية” مستقلة في رؤيتها للكون والإنسان (وهي مرحلة متقدّمة من الخطل الفكري الذي جعل من الكتابة الإيديولوجية العربية مسخرة فكرية). لذلك يدافع العروبيون عن الإسلام باعتباره يضمن لهم دوام الاضطلاع بوهم الرسالة الخالدة الموكولة للعرب من دون كل شعوب العالم (…) في مواجهة العقلانية الغربية التي أوصلت الإنسانية إلى “فراغ روحي” وحيرة وجودية سيتكفّل بإنهائها تحالف نوعي بين “العصبية العربية” و”العرفانية الإيرانية”.
وهو عند حركات الإسلام السياسي تجرّؤ على منطقة ملتبسة وملغومة لم تحسم بعدُ طريقة التعامل معها وظلت مترددة بين الاجتهاد العقلي المنفتح على الحداثة ومكاسب الإنسانية (كما حصل في فصل حرية الضمير في الدستور مثلا وتبني الديمقراطية في قطيعة نهائية مع ثقافة السياسة الشرعية) وبين مراعاة التديّن الشعبي البسيط الذي يمثل خزّانا انتخابيا لا تريد استفزاز تديّنه التقليدي المحافظ. (لذلك تلوّح باحتشام باستفتاء الناس حتى لا تتحمّل مسؤولية الخطوة التشريعية المربكة).
بكلّ هؤلاء يلتحق جزئيا وتكتيكيا جزء من اليسار “المناور” بحجة أن الدعوة إلى المساواة الكاملة بين المرأة والرجل لم تكتمل شروطها الواقعية أو أنها مزايدة سياسية من الفريق الحاكم ومناورة انتخابية توظّف قضية المرأة الحساسة لدى التونسيين وتصرفهم عن الخوض في مأزق الحكم وفي عجزه عن معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المنذرة بالانفجار.
ويلتحق بهم أيضا جزء من متديّني/محافظي الحزب “الليبرالي” الحاكم خوفا من ردّ فعل شعبي قد يكشف عن محافظة أعمق من تقدير أصحاب المبادرة وقد ترتدّ ضدهم انتخابيا.

كلّ هؤلاء في مواجهة من ؟؟؟
كل ما هو عقلي واقعي يقول هيجل،
تقديري أن التونسيين وكل العرب اليوم في مواجهة متخبّطة وعبثية مع تاريخ ينزلق تحت أقدامهم وهم يتشبّثون بأطراف أوهامهم المتعدّدة والمتراوحة بين جمود فقهي وجمود هووي وجمود عقلي.
الوجود أيسر بكثير من حروب الوهم. والله/المقدّس الذي لا يتمثله العرب إلا على صورة “دين” وذات وصفات هو حقيقة إنسانية تشرق مع اختلاف وتنوّع أنفاس وحركات كل كائنات الأرض، وهو حقيقة كونية مفتوحة ومتجددة تشرق مع كل فكرة جديدة وكل نوتة موسيقية تعزفها الطبيعة ويقرّبنا منها العلم والنانو تكنولوجيا يوما بعد يوم.
الله/المقدّس هو الزمن (أي اللاعدم).
غير أن جدل السياسة يحجب عنا الله والتاريخ.. وإنسانيتنا.

شاهد أيضاً

زغاريد الفجر القديمة

نور الدين العويديدي كأن ذلك بعض بقايا زمن سحيق قديم.. هل كان واقعا أم كان ...

اترك رد