الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / طاعون أبغض الحلال..

طاعون أبغض الحلال..

نور الدين العويديدي

يعاني مجتمعنا بشدة من العنوسة وتأخر سن الزواج.. ومن يتجاوز تلك العقبة الكؤود بنجاح، قد لا يصمد كثيرا، ولا يحافظ على نجاحه لأطول فترة ممكنة، فالكثير من المتزوجين الجدد يجد نفسه بعد فترة وجيزة عرضة للطلاق.
الطلاق أبغض الحلال إلى الله.. لكنه صار واقعا مخيفا في تونس اليوم. فالأرقام تتحدث عن نحو 1000 حالة طلاق كل شهر، ما يعني 12 ألف حالة طلاق كل سنة، وبمعدل يومي في حدود 33 حالة طلاق كل يوم.
هذه الأرقام المفزعة تقول أيضا إن 27٪ من إجمالي عدد المطلقين لا يتجاوز سنهم 36 عاما، وأن أغلب حالات الطلاق أي 59٪ من الحالات تتم خلال السنوات العشر الأولى من الزواج.

الطلاق يعني:
تفكك أسرة، وضرر بالغ يطال المرأة، التي تحرم في الأغلب الأعم من الزواج ثانية، وضرر أشد يطال الأطفال، الذين ييتمون ووالديهما أحياء. وكثير منهم ربما ينقطع عن دراسته أو يسقط في هاوية الجريمة والإدمان بجميع أشكاله.
معاناة لأسرة المرأة بشكل خاص، التي ينظر إليها اجتماعيا نظرة تحقيرية، باعتبارها لم تحسن تربية ابنتها، ما جعلها تنتهي علاقتها بزوجها إلى الطلاق.
ضرر أقل يطال الرجل. وهو عادة ضرر مادي مالي (نفقة ومصاريف محاكم.. الخ، وضرر نفسي بدرجة أقل)، لكن الرجل عادة ما يكون قادرا على الزواج ثانية إذا أراد.

مما يلفت النظر أن نسب الطلاق في جيل أجدادنا وآبائنا كانت أقل بكثير مما هو حاصل اليوم في جيلنا والجيل الأصغر سنا، إذ تنتهي الكثير من الزيجات في وقتنا إلى الهدم لأسباب جادة وحتى لأسباب تافهة أحيانا. وأهم أسباب الطلاق، إلى جانب تدخل عائلة الزوج والزوجة وإلى جانب الخيانة الزوجية، وهي متعلقة باختيار الشريك في مرحلة الخطوبة، اعتمادا فقط على مقاييس جمالية أو مادية.. أهم أسباب الطلاق عدم صبر الشريكين أحدهما على الآخر، وعجز كليهما عن تحمل الضغط والديون الكثيرة التي يتورط فيها الزوج حتى يتم الزواج.
وهكذا فالتونسي ينفق مالا كثيرا ويتداين في أغلب الأحيان من أجل مشروع كثيرا ما ينتهي إلى الفشل والإخفاق الذريع.

مجتمعنا في مخاض وفوضى انتقالية، فلا هو مجتمع عربي مسلم، له طريقته في التعامل مع مشاكل الزواج وما ينتج عنه، ولا هو مجتمع غربي له طرقه في التعامل مع تلك المشاكل والقضايا الجنسية وما يترتب عنها..
مجتمعنا مجتمع هجين معقد مركب، المرأة ترى لها حقوقا لا يراها لها الرجل، والقوانين تتدخل في العلاقة بينهما فتزيد طينها بلة.. قوانين البلد لم تأت نتيجة تطور طبيعي للمجتمع، وإنما جاءت بالقوة والإكراه والفرض من أعلى، ولذلك فهي قوانين محل جدل، مقبولة من طرف ومرفوضة من آخر.. والنتيجة تدمير الأسرة بقوانين وضعت أساسا لحمايتها.. والعنوسة والطلاق وتدمير الأطفال نتيجة من نتائجها.

هل يحل إلغاء مجلة الأحوال مشكل العنوسة؟؟

لمعالجة مشكلة العنوسة يقترح كثير من الرجال إلغاء مجلة الأحوال الشخصية وإباحة التعدد.. وقد رأيت في استطلاع رأي فايسبوكي إجماعا رجاليا على اعتبار التعدد حلا لمشكل العنوسة.

شخصيا لا أرى هذا حلا للمشكل المعقد للاسباب التالية:
التعدد محدود في أغلب المجتمعات الإسلامية وفي تونس بالذات حتى قبل منع التعدد.. فهو في أكثر الأحيان يتراوح بين 3 و5 في المائة من الزيجات قبل الاستقلال، وبالتالي فهو لا يصلح حلا لمشكل العنوسة، التي تطال أكثر من 60 في المائة من النساء في سن الزواج في تونس.
هناك دول عربية وإسلامية كثيرة تبيح التعدد لكنها تعاني كثيرا من مشكل العنوسة مثل دول الخليج العربي.
حتى لو أبيح التعدد فإنه لن يحل المشكل إلا في صفوف الاغنياء والمقتدرين، وهؤلاء أقلية صغيرة، ومن ثم فهو لا يصلح حلا لمشكل عام مستفحل.. هو في أحسن الحالات حل جزئي لا غير.

الحل لمشكل العنوسة حل مركب او لا يكون..

حل لمشكل البطالة والفقر؛ وهذا تلعب فيه الدولة والافراد والمجتمع المدني مسؤولية لحله او تخفيفه على الاقل.
حل ثقافي ديني يقوم على الاقتناع بأولوية الزواج على أي شيء سواه.. فالزواج نصف الدين.. والزواج الحقيقي والناجح لا يمنع الطالبة او التلميذة من مواصلة التعليم ولا النجاح في العمل.. المهم ان يتفق الزوج وزوجته على تأجيل الحمل والانجاب قليلا، حتى تتمكن المرأة من بلوغ مراميها.
حل ثقافي اجتماعي ان يتخلى الاباء والامهات عن المغالاة في المهور والطلبات وان يساعدوا بناتهم وأبناءهم على العفة والطهارة والقناعة.

أنا أعرف أن كثيرين قد يقولون لي ماذا تقول يا رجل.. نحن نتجه أكثر فأكثر للإفراط في التباهي والطلبات والمهور وانت تطالب بتخفيفها.. أنا أعرف هذا، ولهذا أطالب الاباء والامهات بتغيير هذه العقلية.. وأدعو الى تأسيس جمعيات للدفاع على هذه الافكار حتى نوقف تيار الانهيار قبل بلوغ حافة الجرف المخيف.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد