الجمعة ، 17 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / عرض ميشال بوجناح في قرطاج: هل الإرهاب يتجزّأ ؟

عرض ميشال بوجناح في قرطاج: هل الإرهاب يتجزّأ ؟

حليم الجريري

منذ أيام قليلة، اعتقلت السلطات التونسية الشاب كريم ڤويدر على خلفية تدوينة نشرها على حسابه في فيسبوك، قال فيها حرفيًّا: “الموصل ستعود إلينا والأيّام دُوَل”؛ ما أثار حوله شبهات تراوحت بين الانتماء الفكري والانتماء العضوي والتعاطف مع داعش؛ ما دفع السلطات لإيقافه وما تزال الأبحاث جارية في شأنه.

إيقاف ڤويدر، أثار جيشًا إلكترونيًا من المتفاعلين الغاضبين الذين أخذوا في مهاجمة كلّ من سوّلت له نفسه التشفي في الشاب على خلفية أفكاره التي وصفتها شريحة كبيرة من مشتركي الفيسبوك بالرجعية والقروسطية الإرهابية التي يجب التعاطي معها بحزم وصرامة، رغم أن مبعث هذا التشفي كان مجموعة التدوينات التي سبقت تدوينته حول الموصل والتي فيها من إيحاءات الارتباط الفكري -على الأقل- بالتنظيم المتشدد الشيء الكثير.

تمارس السلطات التونسية منذ تصنيف “أنصار الشريعة بتونس” تنظيمًا إرهابيًا سلسلة اعتقالات متوارية على الشباب الذين يُشتبه في مجرّد “تناغمهم” مع داعش من خلال تدويناتهم، وتتخذ معهم إجراءات قاسية في حال وقع تسريحهم من القضاء لعدم كفاية الأدلّة، ومنهم صحافيون أيضًا، كالشاب الصحافي عائد عميرة الذي يعاني ممّا يسمّى الإجراء الحدودي (S 17) الذي يصفه بالكابوس بسبب التحائه وظهور علامات التديّن على وجهه.

موجة التضييق على الشباب التونسي والاعتقالات التي تلاحقهم منذ أربع سنوات (تاريخ تصنيف أنصار الشريعة تنظيمًا إرهابيًا من حكومة حركة النهضة)، والتي تُوّجَت باعتقال فويدر، بيّنت للمتابعين للشأن العام أنّ التطبيع مع الإرهاب ليس له حديث ولا مكان في تونس، لكنّها تجعل سؤالًا يتبادر إلى الأذهان، هل للإرهاب أن يتجزّأ؟

التطبيع وجهة نظر

قبل واقعة إيقاف الشاب كريم ڤويدر بمدة وجيزة، اعتقلت السلطات شابّين من جمهور النادي الإفريقي لكرة القدم بتهمة “رفض حصار قطر” بعد مبادرتهما برفع يافطة ضخمة أثناء إحدى المباريات كُتب عليها “كرهناكم يا حكام، تحاصرون قطر وإسرائيل في سلام”. يافطة دفعت بالسيد لطفي المحجوب وزير الداخلية -رأسا- إلى التدخل وفتح تحقيق في الموضوع بعد أن أمر بإيقاف المسؤولين عنها، رغم أن الإجماع التونسي لم يخرج يومًا عن معاداة الصهيونية ووجوب محاربتها -بالقول طبعًا-، عبر بعض المقالات عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي والكثير منها (المقالات) بعد الثورة، وهو ما أثار حفيظة جزءًا من النخبة التونسية، كما أثار تأييد الجزء الآخر، ممّن يدعمون حصار قطر بوصفها المموّل الأوّل للإرهاب في العالم، حسب توصيفهم.

هذا الإيقاف الذي رأى فيه معارضوه شكلًا من أشكال الإهانة للقوميّة التونسية العربية وإعلانها لرفض مجرد اللهج بذكر “إسرائيل” بسوء، هذا الإيقاف تزامن مع اقتراب موعد عرض ميشال بوجناح، اليهودي الفرنسي من أصل تونسي (ومولود في تونس)، في إطار فعاليات مهرجان قرطاج الدّولي، وهو الفكاهي الذي اشتَهَر بتصريحه العنصري الذي يقول فيه “الشعب الإسرائيلي هو أقرب الشعوب إلى قلبي، وأنا أحمّل مسؤولية الرصاص الذي يُطلَق على أطفال الفلسطينيين إلى أهلهم”.

قدوم بوجناح جوبِه برفض السواد الأعظم من التونسيين، لكنه سواد ضمر وتقلّص مع ظهور أصوات النخبة التي تمثّل واجهة الرأي العام التونسي من سياسيين وحقوقيين وأساتذة جامعيين بالمئات وقّعوا على عريضة ضدّ إلغاء العرض المزمع انطلاقه اليوم 19 يوليو/تموز الجاري، وعلى رأس الموقعين الجامعية رجاء بن سلامة، التي اعتبرت مقولة بوجناح وجهةَ نظر ورأيًا يجب أن يحترم، وهو ما أكّده السيّد مختار الرصّاع الناطق باسم مهرجان قرطاج، بل وزاد عليه أنّ مئات الشخصيات المعروفة بميولاتها للصهيونية الإسرائيلية تدخل تونس وتبرحها ولا يرتجف لأحد جفن، فلماذا حبس ميشال بوجناح أنفاس الجميع؟

مع تحليل الظاهرة والانطلاق من أرض الواقع، يمكن القول إنّ القضية الفلسطينية صارت مشوّهة ورمادية وملتبسة عند الكثيرين من العالم العربي وليس فقط تونس، إذ صارت تتلقّفها المثالب ويتكلّم فيها كلّ غرّ من دون علم، بل صرنا نسمع أحيانًا (خاصّةً بعد الثورة) من يقول لكَ إنّ الأرض أرض اليهود وإن الفلسطينيين جاؤوا وافدين وأن للإسرائيليين الحقّ في تقرير مصيرهم، نعم هكذا، ويسحب البعض هذا الأمر على القدرة الخارقة للكيان الغاصب لفلسطين على إدارة المعارك الفكرية عبر إعلامه المموّل منه ومن وكلائه عالميًّا وعبر “تثقيفاته” التي تُدَار من تلّ أبيب لتغتصب الجزء الأكبر من العقول العربية وتغتال في نفس الوقت العقول التي من شأنها شنّ الحرب الفكريّة المضادة لحملتها اليهودية.

“إسرائيل” لا تستقبل فنانين معارضين للصهيونية، أو مؤيدين للحق الفلسطيني، لأي جنسيةٍ انتموا، حتى ولو كانوا يهودًا، وهناك أدباء عالميون (بعضهم راحلون) تمقتهم إسرائيل لمواقفهم الأخلاقية ضد احتلالها، أمثال النيجيري وول سونيكا والبرتغالي جوزيه ساراماغو والتركي أورهان باموك، فهي تدرك جيدًا أهمية الحقل الثقافي والفني الحاسمة، حيث يسهم الأدباء والفنانون في تشكيل وجدان ووعي ملايين البشر من مختلف الأعمار والمستويات الثقافية، بطريقة مؤثرة وغير مباشرة.

ازدواجية المعايير

بالعودة إلى ما أنفنا ذكره، فلا عجب على الشابين اللّذين اعترضا على محاصرة قطر والتطبيع مع “إسرائيل” وندّدا به، ولا ضير في أن يعترض “جيش الشباب الإلكتروني” على إيقاف صديقهم كريم ڤويدر بسبب “وجهة نظر” فيها “تناغم مع الإرهاب” ما دام إرهاب “إسرائيل” وجهة نظر والتعاطف مع شعبها “رأي يحترم”، فالإرهاب لا يتجزّأ ولا فرق بين من يبايع البغدادي صاحب المشروع الدموي ومن يبايع النتنياهو صاحب الخرافة التلموديّة.

قديمًا، أجرينا حوارًا لصالح صحيفة دوليّة مع السيد حسن الشلغومي رئيس منتدى أئمة فرنسا والمكنّى بـ “شيخ اليهود”، وسألناه هل يمكن لنا أن نراك في صورة مع أيمن الظواهري ما دامت لك أكثر من مائة صورة مع “شمعون بيريز؟ فانسحبَ فورًا ورفض المواصلة.

جيل – العربي الجديد

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد