الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الفكرة والفتوى والبزنس الديني

الفكرة والفتوى والبزنس الديني

محمد بن نصر

كنت في محاورة مفتوحة مع مجموعة من الطلبة في بعض المسائل ذات الطابع الديني وفجأة اعترض أحدهم قائلا “يا أستاذ هل أنت مفكر أم مفت؟” قلت ما الفرق بين المفكر والمفتي؟ قال لي “ببساطة شديدة، المفتي يوقع باسم رب العالمين وعن رب العالمين والمفكر يوقع باسم العقل وعن العقل” وأضاف الفكرة يا أستاذ، سياحة ذهنية والفتوى قول محكوم بالشرع، الفكرة تشتت والفتوى تسدد، وبالتالي ما تقوله يفتقد إلى المشروعية وعديم الجدوى والفائدة حتى وإن كان مقبولا عقلا. قال كل هذا الكلام دفعة واحدة وانصرف مثل كثير من المفتين في زماننا.

ما أطلق عليه الشيخ عبد الله بن بية صناعة الفتوى يعكس حالة من الضعف في البنيان النفسي للفرد المسلم، طلب الفتوى يعبر في أغلبه عن الخوف من تحمل المسؤولية، عن حالة من عدم الاقتناع الذاتي بفعل من الأفعال فتأتي الفتوى لتعطي لهذا الفعل نوعا من المشروعية ويصبح بذلك الحمل خفيفا على الحامل ولذلك كثيرا ما نسمع تلك الكلمة التي يتداولها الناس كلما شعروا بالإحراج عند إقدامهم على أمر ليسوا مقتنعين به تمام الاقتناع “في رقبته”، يعنى أن الذي سيتحمل المسؤولية في النهاية هو المفتي. أنظر للمنهج النبوي في الفتوى، منهج حواري يصعب التفريق فيه بين المفتي والمستفتي، جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: هلكت يا رسول الله. قال: “ما أهلكك؟” قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: “هل تجد ما تعتق رقبة؟” قال: لا. قال: “فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: “فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا ؟” قال: لا. ثم جلس، فاتى النبي صلّى الله عليه وسلّم بعرق فيه تمر، فقال: “تصدّق بهذا” قال: فهل على أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل أحوج إليه منا. فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بدت نواجذه وقال: “اذهب فأطعمه أهلك”.

لاحظوا هذه اليقظة الذهنية و روح تحمل المسؤولية عند هذا الرجل الذي لبساطته لم يهتم الرواة بذكر اسمه، يراجع النبي في كل ما اقترحه عليه من حلول. تلك هي الصورة التي من المفروض أن يكون عليها المسلم، مستوعبا لمبادئ دينه، فاهما لأحكام دينه ومقاصدها، وحّد الله حقّا فأضحى واثقا من نفسه، لم يتردد في معارضة الرسول ولم يعاتبه الرسول صلّى الله عليه وسلّم على ذلك. من يستطيع اليوم أن يعارض أصحاب الشوكة من علماء وسلاطين أو حتى يفكر سرا في ذلك؟ ولكن حين يجتمع في المسلم الخوف من عصا البوليس والخوف من عمامة الفقيه ومعهما عدم التفقه في الدين، ترى العجب العجاب.

لطالما ألح علي السؤال حول الحكمة من تفصيل القرآن لأحكام الدين بينما اكتفى بإشارات عامة عندما يتعلق الأمر بالطبيعة والمجتمع والإنسان، وأقدّر -والله أعلم- أن الله أراد من المؤمن أن يفرغ جهده في معرفة أسرار الطبيعة ومعرفة أسرار نفسه. وأراد حينما فصل في أحكام الدين أن يفوت الفرصة على الذين يريدون أن يستثمروا في “الرأسمال الديني” ويقول للمسلم عليك أن تتفقه في دينك وقد بلغك كاملا وأن جهلك به هو الذي يجعلك عرضة للابتزاز ممن اتخذ الدين سبيلا للتكسب، فافقه دينك من كتابي فقد جاء فيه مفصلا وافرغ الجهد في كشف أسرار الطبيعة وكشف أسرار الإنسان وقد جعلت تلك الأسرار خافية إلا على من اجتهد للكشف عنها، هناك تكمن الغلبة بين الأمم. إنه لمحزن أن نرى السواد الأعظم من المسلمين قد افتتن بفتاوي ما تحت الحزام وما فوق الصرة وهم يلبسون ويركبون مما صنعه الآخرون بل مما زرع هؤلاء يأكلون. ثم لا يكفيهم هذا الوهن فتنادوا بياتا ومصبحين، وأقبل بعضهم على بعض يتزايدون، متدينون وعلمانيون، وحرروا الخطب والأقاويل في إرضاع الكبير وقد مات صغارهم جوعا ولم يبلغوا بعد الفطام وملئت سجون بلادهم بأحرارهم وهم عنهم لاهون. فما أحوجنا إلى الفكرة التي تحي العزائم وتزيح عنها أثقال الهوس الديني.

ألا يكفينا ما جناه الإسلام من أعدائه وبعض من أدعيائه حين جعلوه والإرهاب صنوين فيخرج علينا من وقت إلى آخر من اختزل الدين في عمامة وجبة وسبحة في أغلب الأحيان من المنتجات الصينية السريعة بوصفة جنسية لا ندري كيف عجنت؟ فيكثر حولها اللغط وترقص حولها الفضائيات مدة من الزمن ثم ترفع في انتظار وجبة جديدة من وجبات الجلد الذاتي. أتعطلت لغة الكلام في الإسلام فأصبح لا ينطق إلا جنسا؟ قالوا وجدنا ذلك في كتب الحديث، حسنا، وهل يخلو ما أنتجه البشر من الأقاويل والتخرصات؟ وهل بلغت كتب الحديث وإن كانت من الصحاح درجة العصمة؟ ولو كان المجال يسمح لسردت عليكم، أمثالها أضعافا من الأقوال الشاذة لأسماء ملأت الدنيا شهرة، من مفكرين وأدباء وفلاسفة.

أي منطق يسمح باختزال حضارة أو دين في ما شذّ من الأقوال؟ نحن في حاجة للفكرة النيرة التي تنهض بحاضرنا وتبني مستقبلنا وليس لهذه الفتاوي المثيرة، العابرة للقارات والمتدفقة من القنوات ومواقع النات أو الفتاوي الجامدة الصادرة عن المجامع الفقهية التقليدية التي مازالت مهتمة بالبحث في أهلية المرأة القضائية، من أين جاء نقصها وقد أحسن الله خلقها، وفي التبرك ببول الرسول، ولو حسموا الأمر بالإيجاب من أين سيأتون به؟ الرسول يتوضأ ويتطهر من البول والمسلمون يتجادلون في التبرك أو عدم التبرك به، تلك هي حال من هجر القرآن وجهله، ليس لنا إلا أن نردد مع المتنبي بيته المشهور: أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد