الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الأزمة الخليجية واختبار الديبلوماسيّة القطَرية

الأزمة الخليجية واختبار الديبلوماسيّة القطَرية

ليلى الهيشري

ملخّص

في أزمة طال أمدها وغابت حلولها، انتهت باقدام السعودية والامارات ومصر على مقاطعة قطر والضغط على الدول العربية المجاورة والمحالفة لها لتعميق عزلة قطر. ورغم الاتهامات الخطرة الموجهة لتلك الدولة الخليجية المؤثرة في جوهر السياسة الدولية، مؤخرا، ورغم ردود الافعال التي صدرت في الساحة العالمية، بين مؤيد ومعارض، فقد كشفت المطالب المقدمة من الطرف الثاني للنزاع والمتمثل في المعسكر الذي تديره السعودية، عن حقيقة التهديدات التي طالت التحالفات التقليدية المسيطرة على المنطقة الخليجية والتي تتقاطع مع التحالفات القطرية الحديثة مع تركيا وإيران. وبناء على تلك المعطيات المستجدة كشفت الازمة الخليجية عن مخاوف حقيقية للدول المقاطعة من معارك خفية لإعادة تقسيم المنطقة الخليجية وشرق الأوسطية قد تنطلق من قطر المنفتحة بتحالفاتها على كل الاطياف والقوى الاقليمية والدولية النظامية وغير النظامية غير مبالية بمخاوف جيرانها وتضارب المصالح فيما بينها، وتدل هذه المقاطعة على بلوغ الخطر مداه واعتبار قطر فرسا جامحا يجب السيطرة عليه مهددين بالتصعيد اذا لم تنفذ مطالبهم.

مقدّمة 

تعد دولة قطر جزءا من منطقة تمتلك حسب بعض المؤرخين تموقعا جغرافيا متميزا يربط بين افريقيا واسيا، حيث اعتبرت منطقة الخليج العربي منارة للدول المعتنقة للاسلام، كما أكدت بعض التحاليل السياسية المختصة في الشأن الخليجي على مكاسب منطقة الخليج العربي الاقتصادية والسياسية والامنية، على غرار التقرير الامني السّنوي الصادر عن مجلس الامن القومي الامريكي سنة 1990، حيث اكد على أن المصالح الحيوية الامريكية في الخليج العربي والمتمثلة اساسا في مصادر الطاقة والعلاقات الامريكية القوية مع بعض دول المنطقة تستحق وجودا عسكريا مستمرا وأكد أيضا على ان استمرارية الاهتمام بهذه المنطقة أمر مفروغ منه حتى بعد انتهاء فترة الحرب الباردة.* ولم تكن تلك التقارير بمعزل عن تصريحات سابقة اطلقها الرئيس الاسبق ريتشارد نيكسون في نهاية الستينات اذ عبر عن انشغاله بضرورة بناء استراتيجية امنية أمريكية تراعي أهمية المخاطر التي تواجه الامن الامريكي التي تمتد في أفريقيا وكذلك في الخليج العربي عبر نشر قوات عسكرية جوية او أكثر من ذلك اذا اقتضت الضرورة. وهو نفس التوجه الذي وصل اليه نظيره هاري ترومان في إحدى تصريحاته سنة 1947 ”هذه المنطقة تقع عند ملتقى أهم طرق المواصلات الأرضية والجوية والبحرية وهي بذلك منطقة ذات أهمية استراتيجية عظيمة”. لقد ساهم تواجد قطر في منطقة الخليج العربي، التي تعد اكبر منتج ومصدر للطاقة في العالم، في قيام علاقات ديبلوماسية مع الغرب مترامية الاطراف تقوم  على اتفاقيات تخدم مطامع القوى الكبرى في استغلال المنطقة ووضعها تحت طائلة الخضوع والتبعية لضمان الانتفاع شبه المطلق بمواردها الطاقية الحيوية. ورغم ما تتمتع به قطر من امتيازات استراتيجية فقد عرفت كغيرها من دول الخليج العربي سياط الاستعمار الغربي إلى سنة 1971، تاريخ الخروج عن الوصاية البريطانية، وبقيت لعقدين دولة مجهولة إقليميا مفضلة التقوقع تحت لواء الاختيارات السياسية الخارجية السعودية كبقية دول الخليج لمدة عقدين كاملين.

ثم صنعت قطر “لنفسها وبنفسها” سياسة خارجية ديناميكية متحررة متجاوزة إلى أبعد من حجمها الطبيعي، من خلال فتح آفاق جديدة من العلاقات الدولية والإقليمية، منطلقا نحو تحول  ملموس في السياسة الخارجية القطرية، أهلها للعب أدوار تتجاوز في عمقها محدودية الدور التقليدي الذي عايشته لفترة من الزمن بل اصبح لها صوتا مؤثرا في محيطها الاقليمي، تدعَم بامتلاكها لاحتياطي هام من الغاز الطبيعي على أراضيها باعتبارها ثالث احتياطي في العالم وأول مصدر له مما احدث نقلة مذهلة بالاقتصاد القطري. شكّل التميز النمطي للسياسة الخارجية  القطرية منذ تسعينات القرن الماضي خروجا عن مسار تقليدي لم تحد عنه دول التعاون الخليجي لسنوات طويلة بحثا عن الاستقرار في العلاقات الديبلوماسبة مع جيرانهم الاقليمين وحلفائهم حول العالم، مع اعطاء المملكة العربية السعودية موقعا متقدما مراعاة لموقعها ومكانتها ومساحتها بتنصيبها شرفيا كدولة راعية لجيرانها في منطقة الخليج. بل ساهم تراجع القوى العربية التقليدية في منطقة الشرق الاوسط، اثر حرب الخليج الاولى، فسحة كافية للتحرك واكتساب موقع جيد تتقرب به من اصحاب القرار في العالم  عبر تمتين العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية توجت ببناء اكبر قاعدة عسكرية امريكية في منطقة الشرق الاوسط. حاليا، ووصلت تداعيات الازمة لوضع قطر في حالة عزلة تامة نتيجة ما قرره بقية اعضاء مجلس التعاون الخليجي من قطع للعلاقات مع قطر بحجة تدعيمها للارهاب وتمكينها من مهلة عليها من خلالها تنفيذ جملة من المطالب الضرورية لحل الازمة.

1. قناة الجزيرة: الاعلام الحرّ وتوجس الملكيّات

اعتبر جوزيف ناي في كتابه القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية 2004 ”أن الموارد المنتجة للقوة الناعمة من القيم التي تعبر عنها منظمة او بلد ما في ثقافته وفي الأمثلة التي تضربها ممارساتها الداخلية والسياسية، وفي الطريقة التي يعالج بها علاقته مع الاخرين ورغم مخاوف العديد من الحكومة من عدم قدرتها على السيطرة على هذه القوة بالذات فذلك لا يقلل من شأنها“. ورغم تجنب العديد من المؤرخين تحديد عناصر القوة الناعمة فقد نظر الواقعي البريطاني أ.ه. كار في النصف الاول من القرن العشرين لمستقبل القوة الدولية حيث عمل على إعطاء لمحة مبدئية عن مكوناتها معتبرا أنها تتجاوز العنصرين التقليديين المتمثلين في القوة العسكرية والاقتصادية، حيث أكد على وجود عنصر ثالث أكثر فتكا تعمل عبر السيطرة على الرأي العام عبر وسائل تجاوزت التظاهرات والمنشورات وكل الطرق التقليدية وصولا الى وسائل الاعلام. هذا ما استطاعت قطر التفرد فيه عبر توظيفها لقناة فضائية تحولت الى ايقونة للحرية الاعلامية في العالم العربي كسابقة استحسنها العالم الحر والملايين المقموعة بينما شكلت خطرا داهما على مختلف الحكومات التي لا ترى في شعوبها سوى آداة للاستعباد.* وهو ما دفع المعسكر السعودي إلى خلق هذه الأزمة التي تستند على مطالب تعد في ظاهرها مشروعة طالما تخدم الحملة العالمية لمكافحة الارهاب.

2. غلق قناة الجزيرة: المساومة المستحيلة

انطلقت قناة الجزيرة التلفزية التابعة لشبكة الجزيرة الإعلامية المؤسسة في الدوحة عاصمة قطر سنة 1996. وكان طموح قناة الجزيرة اكبر من نظيراتها، تلك القنوات الفضائية التي لا تتجاوز الخطوط الحمراء المفروضة مسبقا من مراكز الرقابة التابعة لحكوماتها على غرار قناة العربية الاخبارية وقناة فرانس 24، حيث انتهجت في نقلها للواقع المعيش خطا صحفيا حرا تسبب في كشف العديد من الملفات السوداء والمقفلة التي عملت اغلب الحكومات خاصة منها العربية على طمسها للحفاظ على قوتها. ولقد أثارت جرأتها في نقل تداعيات احداث هجمة 11 سبتمبر 2001 من حروب على افغانستان والعراق وغيرها من المواجهات المسلحة في اطار الحملة الدولية الأولى لمكافحة الارهاب التي أطلقتها الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها ضد تنظيم القاعدة، حيث أسفرت تلك الجسارة الاعلامية في خلق جدل كبير أحرج دول الخليج وأزعج الدول المعادية للقاعدة بينما أثار الاعجاب في الأوساط الشعبية الممتعضة من سياسة الولايات المتحدة الامريكية تجاه القضية الفلسطينية انذاك بعد اندلاع احداث انتفاضة 2000. وتماشيا مع متغيرات الحال عدلت قناة الجزيرة خطها الاعلامي، نتيجة الضغط الذي تعرضت له اثر حملة الاعتقالات التي طالت العديد من صحافييها الذين وصل بهم الامر كسجناء في معتقل قوانتنامو، حيث عملت على تغيير سياستها الاعلامية المثيرة للازمات وقررت البحث عن سبل اكثر امانا دون التراجع عن مبدا التميز في البحث عن السبق الصحفي وهو ما نجحت فيه مؤخرا عبر ما قدمته للاحزاب المعارضة التي تخلت عنها الخارجية السعودية وكانت هي البديل عن تلك الدولة الراعية، حيث أصبحت تقوم على توفير منبرها الاعلامي لخدمة كل اعداء الانظمة الحاكمة في المنطقة العربية ولقد كان ذلك الخط الاعلامي من اهم العناصر الايجابية التي دعمت الثورات الشعبية الحديثة ورغم عدم بلوغ كل الانتفاضات استحقاقاتها الثورية فقد كان لتلك ”القوة الناعمة الاعلامية” وقعا في تغيير جزء من خارطة العالم العربي. نجحت قطر من خلال قناتها الاخبارية “الجزيرة” في اثبات وجودها الاعلامي عبر مزيد استقطاب تعاطف العالم العربي والغربي من خلال تدعيمها للحركات الاسلامية المنفية والهاربة من احكام بالسجن والاعدام باعتبارها فئات معارضة لبعض الانظمة العربية المستبدة من ممالك وجمهوريات. ولقد كان هذا التوجه الواضح للسياسة القطرية مصدر اعجاب اقنع الغرب بأهمية احتضان الحركات الاسلامية وضرورة اعطائها الفرصة لممارسة الديمقراطية في بلدانها ولقد كان لقناة الجزيرة دورا فعالا كغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج وتنظيم الثورة التي اندلعت في تونس لتنتشر سريعا في بعض الدول العربية الاخرى، التي شملت تونس، مصر، اليمن، ليبيا وسوريا، بل ازدادت الحكومة القطرية قناعة بوجاهة اختياراتها السياسية  ومن الطبيعي أن يشوب كل مسار ناجح، بعض العثرات، فقد أفادت تصريحات الخارجية الامريكية وغيرها من الدول العربية وحتى المجاورة لقطر في السنوات الاخيرة، بأن السياسة القطرية تتعمد التعامل مع بعض الجماعات الدينية كحركة حماس، جبهة النصرة، وحزب الله وحركة طالبان المتطرفة رغم تصنيفهم كحركات ارهابية. فقد انكرت الحكومة القطرية بصفة رسمية ما نسب اليها من تهم. وهو ما تم استغلاله حديثا من طرف المعسكر السعودي في محاولة لاعطاء السياسة القطرية طابع الازدواجية التي لا تخدم مصالح المنطقة بل تهدد أمن الدول عبر تدعيمها لمنابع الارهاب. وفي ضرب مباشر لهذا المطلب الذي تقدمت به دول الخليج المقاطعة لقطر فقد اعتبر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد الحسين في تصريح اعلامي أصدرته صحيفة فرانس 24 في مقالة بتاريخ 30 جوان 2017 “أن مطالبة السعودية والإمارات والبحرين ومصر بإغلاق قناة “الجزيرة” هجوم “غير مقبول” على الحق في حرية التعبير والرأي” معتبرا أن استحسان برامجها او ازدراء المادة الاعلامية التي تطرحها لن يغير من أهمية قنوات الجزيرة الناطقة بالعديد من اللغات حيث أنها قناة تتمتع بشعبية مليونية حول العالم وأضاف أن ”المطالبة بإغلاقها فورا هي من وجهة نظرنا هجوم غير مقبول على الحق في حرية التعبير والرأي“. حيث عبر الأمير زيد بن رعد الحسين عن حقيقة تعود بنا الى ما ترمي إليه الدول المقاطعة لقطر من استهداف لحرية الاعلام الذي نجحت قطر في تكريسه والذي تسبب في موجة من الامتعاض من طرف الكثير من الدول العربية التي تنزعج مما يبث من حقائق حول ممارساتها غير الشرعية ضد رعيتها.

3. قطع الطريق على نقل الصراع  إلى دول مجلس التعاون

اعتبرت احدى الصحف الخليجية المؤدية لقرار مقاطعة  قطر أنه “ليس من مصلحة قطر لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا جغرافياً ولا عربياً أن تغرد خارج سرب دول مجلس التعاون الخليجي، وإلا ستصبح حينها في جزيرة معزولة عن ارتباطاتها العربية والإسلامية عموماً وعلاقتها بدول الخليج خصوصا”. هذا ما ينتظر قطر اذا لم تعد أدراجها في رحلة البحث عن التميز الذي نجحت في تحقيقه عبر وصولها الى مكانة تقاسمت فيها الادوار المهمة في العديد من المناطق الساخنة في العالم مع أبرز القوات الدولية أكسبتها الثقة من بلوغ طموحاتها على الصعيدين الاقليمي والدولي بفضل الحماية الامريكية التي استجابت لمخططات قطر في بلوغ مستوى متقدم من الحرية في التمركز الاستراتيجي في الخارطة السياسية العالمية وخروجها من جلباب السياسة السعودية المتحكمة كليا في الشأن الخارجي لأعضاء مجلس التعاون الخليجي. لكن قطر  لم تعد ترضى بمكانتها تلك رغم ما حققه من تميز في منطقة الشرق الاوسط، هذا ما أعلن عنه الموقف السياسي الرسمي الامريكي في العديد من المناسبات، بل طالبت قطر باتخاذ قرارات جدية في هذا الشأن فيما يتعلق بعلاقتها بجبهة النصرة، حركة حماس وحزب الله المسجلين كحركات ارهابية لدى كل حكومات العالم بضغط من الولايات المتحدة الامريكية. غير أن ذلك التحالف الامريكي القطري الذي اثمر عن بناء قاعدة عسكرية امريكية على التراب القطري والذي كان مصدر ترحيب لم يثر ذلك التململ الذي صدر من طرف المعسكر السعودي المتكون من دول مجلس التعاون الخليجي ومصر بعض الدول الاخرى كالمملكة الاردنية الهاشمية، عندما اعلن عن بناء قاعدة عسكرية تركية، او عندما قررت قطر اعادة بناء علاقات ديبلوماسية عادية مع جارتها ايران.

4. مخاوف من تعزيز العلاقة مع ايران

اتخذت السياسة القطرية كغيرها من دول الجوار، في مرحلة سابقة، سياسة العزل التي اعتمدتها الولايات المتحدة ضد ايران سنة 1979 بعد احداث حرق السفارة الامريكية في ايران واحتجاز الرهائن من موظفي السفارة. ولم تمانع الدول المقاطعة لهذه المعاملات القطرية الايرانية رغم أنها دولة جوار ولها وزن اقليمي لا يستهان به اذ بدَتْ تصريحات ايران حول نية تصدير ثورتها في منطقة الشرق الاوسط ودول الجوار تحديدا مؤسّسة لتباعد ديبلوماسي بينها وبين الخليج العربي تواصل لعقود، ولكن لم يمنع ذلك التنافر الايديولوجي في فرض علاقات تجارية أمْلتها الاوضاع الاقتصادية المتغيرة بين بعض دول الخليج كقطر والامارات العربية المتحدة، وان كان النزاع القائم على جزيرتي “تمبكتو” الصغرى والكبرى قد أسس لمحدودية العلاقات الثنائية بين إيران والامارات العربية المتحدة القائمة على بعض المبادلات التجارية والاقتصادية الضرورية،  فإن حقل الغاز المشترك بين إيران وقطر أو ما يعرف بحقل الشمال البحري كان مؤشرا واضحا لنية قطر احياء علاقتها مع إيران بعد قرارها تجميد استخراج الغاز من تلك المنطقة لـ 12 سنة كاملة، في مراعاة حقيقية لمصلحتها الوطنية المشروعة. حيث تزامن هذا القرار مع انصراف نية القوى العالمية رفع بعض العقوبات على النظام الايراني، الذي سيمكنها من استعادة وضعها كدولة منافسة لبعض الدول الخليجية ومنها قطر وهو ما دفع قطر الى استعادة التشاركية في استغلال هذا الموقع الطاقي. علما وان قطر لم تكتف بعلاقات اقتصادية مع ايران بل ثمنت تقاربها منذ 2015 بابرام اتفاقية ثنائية تتعلق بمكافحة الارهاب والتصدي للعناصر المخلة بالامن في المنطقة حيث اثمرت زيارة احدى الكوادر الامنية الايرانية ”قاسم رضائي” بنظيره القطري “علي سيف البديد“ عن ابرام اتفاقية تعاون لحماية الحدود المشتركة للبلدين تقتضي امكانية اجراء تدريبات عسكرية مشتركة على ارض الدولتين. لكن احداث 2016 التي جدت في ايران والتي تم فيها الاعتداء على البعثة الديبلوماسية السعودية انذاك، لم تطوى بعد بل ظلت نقطة سوداء تعكر كل المحاولات الايرانية في بناء علاقات متينة مع اية دولة عربية وخاصة مع جيرانها من دول الخليج وهو ما حصل فعلا عبر رفض السعودية للتقارب الحديث بين قطر وايران ومطالبتها قطر بتخفيض تميثلها الديبلوماسي في طهران كمطلب رئيسي لحل الازمة الراهنة. ويعود هذا المطلب لما شهدته المنطقة من توتر اثر تعرض السفارة السعودية لاعتداء من طرف متظاهرين نتج عنه تخريب وتدمير لمقر السفارة والقنصلية فضلا عن تعرض الطاقم الدبلوماسي السعودي للعنف والتهديد بالقتل، مما اضطر المملكة السعودية لقطع العلاقات نهائيا مع قطر وفي ظل موجة الدعم التي تلقتها المملكة عمدت بعض الدول الخليجية والعربية الى قطع علاقاتها الديبلوماسية مع ايران ردا على هذا التصرف المشين منها مملكة البحرين والكويت والصومال والسودان بينما اكتفت الامارات العربية المتحدة وقطر بتخفيض تمثيلها الديبلوماسي الى قائم بالاعمال. وفي ظل استرجاع قطر لعلاقاتها مع ايران شيئا فشيئا نتيجة التغيرات التي فرضتها مصالحها الاقتصادية انفة الذكر فضلا على التزامها بتنفيذ التزاماتها الدولية المفروضة بموجب اتفاقيات ثنائية لا يمكن التفصي منها لما في ذلك ** خرقا لقانون العلاقات الدولية، انطلق الاعلام المنحاز في حملة تحريضية ضد القرار القطري، حيث ذهبت بعض المقالات الى اعتبار العلاقة الايرانية القطرية خيانة عظمى في حق الشعوب العربية لما يمثله النظام الايراني من خطر على استقرار المنطقة وتعد عملية استمالة الحكومة القطرية من طرف ايران شق للصف الخليجي العربي الذي خططت له ايران منذ عقود.

5. التوجس السّعودي من الوجود التركي في قطر

اعتبر سفير المملكة العربية السعودية لدى أنقرة في تصريح صحفي أن “أن وجود قاعدة عسكرية تركية في قطر يعقد الوضع الراهن“، وفي هذا التعبير دلالات لا تحصى ولا تعد قد تمتد لأبعد من أزمة اقليمية بين دول مجلس التعاون الخليجي بل تتجاوزها الى أبعد من تلك الحدود وصولا الى نزاعات بين قوى دولية استعرضت قدراتها بجعل سوريا ساحة للوغى حيث عبرت اتفاقيات الاستانة عن جزء من ذلك التعقيد الذي قد يتحدث عنه سفير المملكة وهو يؤكد مخاوف الدول الخليجية من اتخاذ الساحة القطرية مسرحا لاستكمال النزاعات التي لم تحل على الارض السورية بين روسيا وتركيا وايران والولايات المتحدة الامريكية حول الملفين السوري والكردي. ويعود ذلك التصور لأسباب عدة أكدتها العوامل المطروحة حديثا في الساحة العالمية منذ سقوط القوى العالمية في الوحل السوري وعدم القدرة على الخروج من هذه الأزمة.

ويمكن قراءة هذا التعنت في رفض قيام قاعدة عسكرية لما تمثله المصالح الامريكية في المنطقة وخاصة في قطر حيث عملت على بناء أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الاوسط، وهو لا يستقيم مع مصالحها كدولة لا تقبل المنافسة مع أية دولة أخرى في مناطق نفوذها خاصة وأنها ستتقاسم والدولة التركية نفس الامتيازات بموجب الاتفاقية الثنائية التي ابرمتها قطر مع تركيا والتي ستمكن هذه الاخيرة من استغلال موانئها البحرية وكل المنشآت العسكرية، حيث وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب السياسي سعيد الحاج أن القاعدة العسكرية التركية هي فرصة تاريخية لتركيا في اكتساب اطلالة استراتيجية على الخليج العربي فضلا عن تمكينها عبر وجودها العسكري المباشر من اكتساب نصيب من تلك المصادر الطاقية وهو امتداد لمخطط توسعي استهلته تركيا ببناء قاعدة عسكرية تركية في الصومال لا تقل أهمية عما تهم ببنائه في قطر يقوم على اكتسابها اطلالة على خليج عدن وهو أكبر دليل على نوايا تركيا في اعلان نفسها قوة عالمية مترامية الاطراف. ولا يسع الخارجية السعودية المغلوبة على أمرها سوى بحث كل السبل التي ترجح الكفة للمصلحة الامريكية في المنطقة وهو ما لم تتقبله قطر. ولعل ما تشهده الساحة السورية من تطورات نتيجة تغير الموقف التركي حول الازمة السورية، الذي أصبح في مواجهة مباشرة مع أكراد سوريا التي تسعى لتدعيم الاقليات الكردية الاخرى لانجاح مشروع دولة كردية مستقلة تضم الاقليات الكردية التركية والسورية والعراقية، ولقد استغل اكراد سوريا الازمة السورية لاستقطاب الدعم الامريكي حيث أكد أحد الصحفيين الاتراك في حوار صحفي اجراه مع موقع سبوتنيك العربية بتاريخ 03 جوان 2017 أن الولايات المتحدة الامركية ضحت بحليفتها تركيا لبناء دولة كردية تخدم مصلحة اسرائيل عبر تخفيف الضغط الممارس على هذه الاخيرة في المنطقة نتيجة العزلة المفروضة عليها من الدول العربية، فلقد سجلت الاحداث الاخيرة قيام الجيش الامريكي بارسال 200 جندي امريكي لمساعدة وحدات حماية الشعب الكردية، ولقد اثار ذلك القرار العسكري حفيظة الحكومة التركية خاصة بعد ما صرح به اردوغان في احدى خطاباته حول موقف انقرة من حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا وداعش بوضعها تحت تصنيف الحركات الارهابية. وتعد التحضيرات التي تقوم بها تركيا لعملية عسكرية شاملة في المنطقة الحدودية التركية السورية أكبر دليل على رفض تركيا التام لهذا المشروع الذي سيخدم النظام السوري بتخليصه من احدى خصومه في المنطقة.

خاتمة

تتبنى العلاقات الدولية جملة من التفاعلات يمكن تقسيمها الى صنفين اساسيين، حيث يحتكم الصنف الاول الى النمط التعاوني اذ يقوم على مبدأ التعاون الذي تنبني عليه التحالفات الاقليمية، بينما تنزع التفاعلات الاخرى الى النمط الصراعي وان كانت مبنية في ظاهرها على عكس ذلك، وهو ما نشهده في العلاقات الدولية بين القوى العالمية التي رغم ما تبرمه من اتفاقيات تعاون وتحالفات شديدة اللهجة الا انها لا تنفك تخلق فيما بينها وبصفة غير معلنة جملة من الصراعات على مراكز القوى تحكمها المصالح حسب المنطقة التي ينشب فيها الصراع مع الابقاء بصفة رسمية على علاقات ودية وتقاليد ديبلوماسية لا تتغير. غير أن السياسة القطرية الحديثة لم تعد ترى في ذلك الواقع المسكون بذلك التقليد الديبلوماسي الاجوف والعلاقات الخارجية العمودية وسيلة لتحقيق هدفها القائم على تجاوز عائق المساحة والبحث عن الصفوف المتقدمة في إدارة العالم عبر التأثير في مجريات الاحداث السياسية الاقليمية والدولية، لذلك كان من الجلي انصراف الاحداث المتواترة في الشرق الاوسط الى خلق تلك الازمات في البيت الخليجي المتماسك في ظاهره والمتناحر عند البحث في اغواره، فتغير خارطة القوى العالمية كان أمرا مفروضا، فضل الاعلان عن نفسه بعد قيام الثورات العربية، ومنذ ذلك التاريخ اصبح العالم يعيش حالة من الغليان نتيجة المتغيرات السياسية حول العالم والتي افرزت حالة من العصيان على المألوف عبر خلق تكتلات حديثة قد تهدد القوة الامريكية التي طالما انفردت بعد اطاحتها بالاتحاد السوفياتي بموارد العالم عبر احتلالها الساحة العالمية دون منازع.

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد