الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الجنجران مستوياتها وشروط علاجها

الجنجران مستوياتها وشروط علاجها

أبو يعرب المرزوقي

هل يحتاج الغرب لتشويه الاسلام إذا كان المسلمون يكفونه المهمة وزيادة، نخبهم وشعبهم وحكامهم؟ فلا حكم المسلمين لأنفسهم ولا فكرهم ولا اقتصادهم ولا فنهم ولا رؤاهم للعالم بمتسقة مع كذبهم بتمثيل الإسلام. ومع ذلك يتهمون الغرب بالإسلاموفوبيا. 

الحقيقة انه لا يوجد اليوم في العالم من هم اشد عداوة للإسلام من حكام شعوبه وادعياء علمائه ومافيات اقتصاده وفاسد فنانيه وسفهاء ممثلي رؤاه. لذلك، فالاسلاموفوبيا مصدرها الاول والأخير المسلمون أنفسهم، وخاصة كاريكاتور التأصيل وكاريكاتور التحديث، فكلاهما يشوه ما يدعي الكلام باسمه وينتج. عن ذلك حرب دونكيخوتية يستفيد منها الاستعمار وذراعاه وعملاؤه من حكام القبائل والعسكر ومافيات الاقتصاد وفسدة الفنانين ودجالي الدعاة بكل اصنافهم.

لم يدفعني لهذه التغريدات إلا اعتصار القلب وشبه احتضار العقل مما يجري في قلب دار الإسلام الذي من المفروض ان يكون قاطرتها وبؤرة استئناف دورها. كل شيء توقعته إلا أن تصبح أرض الحرمين خاتما في إصبع الباطنية تستغل حماقة الاغرار لتخريب الديار ومنع شروط التحرر من العبودية والاستعمار. كنت اتصور أن ما من الله به على أهلها من ثروة وتراث يجعلهما محصنة ضد الحاجة إلى الحماية الأجنبية فتصبح قبلة الأمة تحت أقدام الحمقى والأعداء.

لا زلت أبحث عن السر في اجتماع أحمق حكام وأفسد نخب وأسفه رجال اقتصاد واوسخ فنانين وأرذل أصحاب رؤى من دعاة الدين والفلسفة في تاريخ البشرية؟ لعلي أظلم هؤلاء جميعا. إذ هل يعقل أن يجتمع كل هؤلاء في أمة واحدة وفي لحظة واحدة هي عين اللحظة التي يتناهشها فيها خمسة أصناف من الأعداء؟ هل هذا من صدف التاريخ أم هو نتيجة لخطة جهنمية حققت ما يقال من أن يدا خفية أقسمت بأنها ستولي على المسلمين أفساد قيادات لمجالات الفعل الخمسة.

كيف صار السيسي نموذج القيادة السياسية؟ وصار دجالو الاعجاز العلمي نموذج البحث العلمي؟ وصارت مافيات نهب الدولة اقتصاديين؟ هل هذا صدفة؟ كيف صار مرتادو الحانات والبارات والمخدرات والمخابرات فنانين ومبدعين؟ وكيف صار الدعاة الذين تشتريهم المخابرات هداة ومفتين عموميين لمن تقدم؟ كيف اصبحت منظمات الباطنية تنتدب من هب ودب بدعوى الفكر المستنير وهي في الحقيقة لا تتجاوز ضرب البندير لموزعي فتات موائدها وخدمة مخابراتها؟

وأين من يدعون مساندة المقاومة (قطر وتركيا) من التصدي لهذه المعركة التي لم أر لهم أثرا في الاستعداد لها بما تقتضيه من شروط النجاعة العلمية. فإذا استحوذت حركات الباطنية على علماء الازهر والهيئات العلمية في السعودية وفي بلاد الإسلام فسيصبح التخريب من الداخل تعليما إسلاميا رسميا. ألم ينشئوا بديلا من “علماء المسلمين” المستقرة في قطر نظيرا مشوها منها في أبو ظبي اجتمع فيها من أخلد إلى الأرض من “الوساطيين” باسم الوسطية؟ بدأوها بمدرسة حماقات التفسير الشيوعي للقرآن بدعوى اللسانيات، وختموها بالإيمان الفاقد للحدود ودراويش التصوف القائل بالاستعمار قضاء الله وقدره.

مليشيات القلم الإعلامي ومليشيات المنبر الدعوي ومليشيات “البحث” العلمي في خدمة المخابرات ومليشيات الانقلابات العسكرية: نظام التخريب الداخلي. المعركة التي يقودها الذراعان (إيران وإسرائيل) وسنداهما (روسيا وأمريكا) وخدمهما (الانظمة القبلية والعسكرية العميلة) وصل أثرها إلى النخاع. ولا يمكن لمقاومتها أن تبقى معتمدة على المبادرات الفردية، بل لا بد من تخطيط واستراتيجية قادرة على نصرة الفضيلة ضد الرذيلة والحق ضد الباطل. ذلك أن المقاومة نفسها رغم صدق الكثير من شبابها، تم اختراقها فصارت هي بدورها من أدوات تشويه الإسلام: وبه صار العملاء يطيلون عمر سلطانهم.

لما شرعت ألمانيا في نهضتها، كان وزير ثقافتها جوتة وكان مؤرخ هويتها لايبنتس وكان شاعرها شللر وفيلسوفها كنط وقادة أنشطتها الخمسة تلامذتهم. بدأوا بالتحرر من الخونة في السياسة ومن الأغبياء في العلم ومن اللصوص في الاقتصاد ومن السفلة في الفن ومن الدجالين في الدين والفلسفة. تماما كما فعل الصدر والعهد الراشدي. وقد كان ملكهم الذي أسس دولتهم النواة من المعجبين بالإسلام والصدر ومن الساعين لتحقيق نفس المعجزة العربية. كنا أعجوبة الألمان فصرنا أضحوكة من هم دون رتبة الإنسان. أفلا يجن من بقي له شيء من الوجدان يشعره بهذا الخذلان المسيطر على أمة الفرسان؟

ففي تونس أكثر من مائة حزيب هي دكاكين لبيع ما بقي من سيادة لإخضاع الامة للبيادة: تراهم مصطفين يتسولون طارقين كل الابواب كالذباب والكلاب. لما أراهم في “الغريبة” وفي “أعراس” لصوص الإعلام من المرتزقة والمبتزة وذوي الأنوف المهتزة تشعر بأن الزعامة صار شرطها البهامة وفقدان الكرامة. كيف يمكن بهؤلاء أن تبنى الأمم ويستعاد المجد؟ لم تصل الأمة إلى هذه المهانة حتى لما كانت أشبه بجبانة بسبب عصور الانحطاط: كان فيها بعض شهامة. بت متأكدا بأن الأمة لن تخرج من هذه الحال إلا بزلزال يبدل الأرض تبديلا ويغير الأخلاق تغييرا فيذهب ما بها منه جنجران وصلت النخاع فيسطر الرعاع.

• الجنجران “الغرغرينة” “Gangrène” كلمة فرنسية تدل على موت الخلايا والتعفن الناتج منه

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد