الثلاثاء ، 21 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / حب رسول الله الخير للناس

حب رسول الله الخير للناس

الحبيب حمام

نحن أمام حالة رائعة لم يعرف التاريخ لها مثيلا. خير البشر يحب الخير لكل البشر. رب العزة ينبهه، يا رسول الله رفقا بنفسك، لا تهلك نفسك سعيا أن يحوز الناس الخير. في سورة الكهف، يقول تعالى “فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا” وفي الشعراء “لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين” وفي فاطر “فلا تذهب نفسك عليهم حسرات”. كان يحب المؤمن، ويحب للكافر أن يؤمن وينقذ نفسه في الدنيا والآخرة.

كان يريد الخير حتى للمنافقين، بل حتى لكبير المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول. كان يستغفر للمنافقين وعلى رأسهم زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول. قال له ربه في التوبة “استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم”. قال ابن عباس: عند نزول الآية الأولى في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأستغفر لكم. واشتغل بالاستغفار لهم، فنزلت هذه الآية. في المنافقون قال تعالى “سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم”. حتى بعد هذه الآية استمرّ رسول الله في الاستغفار لابن سلول، بل وزاد، كما في صحيح البخاري أنه، صلى الله عليه وسلم، قال “إنما خيرني الله فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة، وسأزيده على السبعين”. كان يحب الخير لكل بني آدم بكافرهم ومنافقهم.

مات عبد الله بن أبي بن سلول في السنة التاسعة للهجرة أيام الإعداد لجيش العسرة لغزو الروم، فصلّى رسول الله عليه صلاة الجنازة. فنزل قوله تعالى في سورة التوبة “ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون”. ففي صحيح البخاري “لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خيرني الله فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيده على السبعين قال إنه منافق قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره”.

صلّى رسول الله الجنازة على زعيم المنافقين في السنة التاسعة للهجرة (التوبة، ترتيبها 113 حسب النزول، يعني قبل السورة الأخيرة، النصر)، بينما نزلت قبل ذلك آيات مثل “بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا، وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا” (النساء، ترتيبها 92 حسب النزول) و”يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين” (الأحزاب، الخامسة للهجرة، ترتيبها 90 حسب النزول). و”هم العدو فاحذرهم” (المنافقون، ترتيبها 104 حسب النزول). يقول قائل كيف يصلي رسول الله على زعيم من قال الله فيهم “هم العدو فاحذرهم”؟ هل يصلّي رسول الله على كبير أعداء الله ورسوله؟ هل يصلّي رسول الله على زعيم من قال الله فيهم “بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما” و “إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا”؟ نقول ليس في هذا تناقض عند سيد الخلق بل دليل على رفعة خلقه وحبه الخير للناس.

أتعلمون من هو عبد الله بن أبي بن سلول، وماذا فعل من مكائد؟ ذكرت بعضها في تدوينة أمس، تجدون الرابط في التعليق. في السنة الثانية للهجرة قبيل بدر، كان ينشر الإشاعات ويثبط الهمم. في نفس السنة ساند بني قينقاع وعمل على فك أسرهم (ابن هشام، ابن كثير،…). في السنة الثالثة للهجرة، تحالف عسكريا مع رسول الله وخانه في واقعة أحد. يقول بن اسحاق “فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه؛ حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة أنخزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، فقال: أطاعهم فخرج وعصاني؛ والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس! فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب”. هناك من يستحي من كلمة “تحالف عسكري” مع ابن سلول رغم أن الله أخبره بأنه منافق. هذا واقع تؤكده كل كتب السيرة. شارك ابن سلول بثلث الجيش. أليس تحالفا عسكريا؟ ماذا إذن؟ في الرابعة للهجرة وقف مع بني النضير. في السنة الخامسة للهجرة، في غزوة المريسيع، قال “سمن كلبك يأكلك”. بعدها لاك عرض رسول الله في حادثة الإفك.

مات ابن سلول أيام الإعداد لغزوة تبوك في التاسعة للهجرة. في طريق الرجوع من تبوك همّ بعض المنافقين بقتل رسول الله، ولكن لم ينالوا ما أردوا، فأنزل الله قوله في التوبة “يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير” وهمّوا بما لم ينالوا: اجمع المفسرون بأنها محاولة اغتيال لرسول الله. يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم، قال ابن عباس : أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ، ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ. كان هذا في السنة التاسعة للهجرة بعد موت عبد الله بن أبي بن سلول. كانت هذه تذكرة، وأسعد الله يومكم.

شاهد أيضاً

تونس ما بعد ثورتها: هل كان ممكنا أحسن مما هو كائن؟ (1)

نور الدين الختروشي (الجزء الاول) “إذا أردنا أن نختصر التجربة في جملة واحدة فإننا نقول ...

اترك رد