الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / قرار النجاح الآلي يخيم على نهاية كل سنة دراسية

قرار النجاح الآلي يخيم على نهاية كل سنة دراسية

لطفي الراجحي

تواجه مدرسة اليوم في تونس التحدّي الكيفي بامتياز ولا يسعها أن تتجاهله أكثر مما تجاهلته لأنه بات من صميم اخلالات المنظومة التربوية ويبرز في شاكلة الارتقاء الآلي للمتعلمين تحصيلهم العلمى والمعرفى يقفز من نهاية سداسية إلى أخرى بطريقة تثير الاستغراب فمن درجة انعدام التملك ينتقل المتعلم إلى أعلى درجات التحصيل بقدرة “عزيز مقتدر” وكيف لمتعلم إن يستقبل مستوى أعلى في حين إن مكتسباته لا ترتقى إلى ذلك ؟ فالمنظومة التربوية هي عبارة عن سلسلة من المعارف يتم اكتسابها بالتدرج من دون الأدنى فالحد الأدنى فالمتوسط ثم إن قرارا كهذا لم يراع استحقاق النجاح إلا إذا اخل بشروط التقييم النزيه ما يخلف عدم ثقة لدى المتعلمين بجدوى انجاز الاختبارات والإعداد لها مسبقا.

فما هي إذن محكّات التّقييـم المتّصلة بكفايـات التّميّز وما هي مؤشّـرات الأداء المتميّـز من عدمه ؟ و هل تعكس نتائج المتعلمين بالضرورة تمكنهم من الـزّاد الـمعرفي والمهاري ؟ إن هذه ليست سوى عينة على انهيار مستوى التعليم في المؤسسات التربوية العمومية جراء عدم الإحساس بالواجب المهني الذي يمكَّن من تطوير المدارك والمعارف للمتعلمين لتوفير تكافؤ الفرص للجميع دون تمييز وفرز الطاقات الذهنية والعقلية والنفسية وصقلها وتكوينها حسب أهليتها وذلك ليفرز الامتحان في النهاية نُخَبا تتمتع بالكفاءة وتتحلى بالثقافة الواسعة. لكن منظومة التقييم تراجع دورها ودور الحاملين لرسالتها إلى الفرز المادي للمتعلمين وإيهامهم عبر أعداد متضخمة بمستوى افتراضي يتم شراؤه للأسف الشديد بثمن وبلا ثمن.

إن الامتحان هو المحك والمقياس لتمييز قدرات المتعلم وخلق روح من المنافسة الايجابية مع رفقائه لذلك يفاقم قرار الارتقاء الآلي وعلى هذه الشاكلة تردي مستوى الناشئة ووضعية المدرسة العمومية ولن يخلف سوى فجوة في التكوين والتحصيل العلمي والمعرفي لديهم ويؤثر كثيرا على نوعية التعليم ومستوى التحصيل.

لقد غاب اليوم لدى اغلب الناشئة التميز والإبداع وسيطر عليهم نوع من الذكاء المحدود والخمول والتكلس الفكري الذي هو نتيجة حتمية لمجموعة الأخطاء البيداغوجية التي طبعت المنظومة التربوية الوطنية وغياب الجدية في التكوين والتقييم والمتابعة. كل ذلك يشكل عوامل جعلت التعليم في تونس يسير إلى الوراء ما يضرب في العمق وظيفة المدرسة في تربية الناشئة على الاجتهاد وحب العمل والتبصر بقيمته الأخلاقية باعتباره عاملا فاعلا في الترشيد الذاتي ونحت الشخصية وغرس الطموح إلى التفوق. بالمحصلة فإننا لا نستغرب البتة من انهيار مؤشرات التقييم والقدرات الاستيعابية للمتعلمين والتراجع المدوي لمستوى التعليم لذلك تراجع ترتيب تونس العالمي لنوعية وجودة التعليم وذلك بتحصّلها على المرتبة 84 عالميا والسابعة عربيا وقد تكون في المستقبل غير البعيد مهددة بان يسقطها جدول الترتيب. ان هذا الترتيب مخجل ومحبط وبات مقززا للتعليم التونسي بسبب غياب البيداغوجيا التعليمية اللازمة وتكريس سياسة الجهل المقدس.

إن تدهور المستوى التعليمي جاء نتيجة سياسة دخلت فيها تونس منذ بداية تسعينات القرن الماضي عندما وقعت اتفاقية مع البنك الدولي والتي تقضي بالرفع التدريجي في الأرقام الإحصائية للتمدرس والارتقاء ولو بصورة كاذبة للحصول على المنح والقروض من صندوق النقد والبنك العالمي، نظريا لبناء المزيد من المؤسسات وتجهيزها ومن ناحية أخرى تهميش الناشئة لضرب الوعي وخوصصة كل شيء وهو ما دمر التعليم لأنها سياسة عملت على إفراغ التعليم من محتواه قصد خلق أجيال من المواطنين «الفارغين» فكريا واجتماعيا وثقافيا وغير المتزنين ما افقد القائمين على القطاع الجدية اللازمة والكفاءة الضرورية فضلا عن تدني مستوى الشهائد والامتحانات وزيادة منسوب الأخطاء العلمية فيها والاستهتار بمحتوياتها وبمراقتها وانتشار ظاهرة الغش ليتحول استحقاقا ما يجعل المتعلمين ينجحون باستمرار من قسم إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى وهم لا يجيدون حتى كتابة أسمائهم. وبذلك تم تقريبا إلغاء مبدأ النجاح المستحق واجتياز الصفوف حسب معايير صارمة وموضوعية تضمن جودة الشهادات وقيمتها بحيث لا يرتقي إلى المستوى الأرقى إلا من تحصل على الكفاءات اللازمة حسب التقييم العلمي والموضوعي حيث لا مكان إلا الكفاءة والجدارة والعمل المُتقن.

هذه هي إحدى أوجه العلل التي تصيب نظامنا التربوي ولا بد لتجاوزها وضع مقاربة منظومية تأخذ بعين الاعتبار كل أجزاء المنظومة التربوية وتتدخل في مستوى نقاطها الحساسة (منظومة التقييم تحديدا) قصد إيقاف اشتغالها على النمط الحالي.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد