الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / عن حالة عاطفية مفرطة: لست بغلا، في كل الحالات 

عن حالة عاطفية مفرطة: لست بغلا، في كل الحالات 

كمال الشارني

على هذه الأرض، على ضفة هذا الوادي ما يستحق الذكر، ذكرى الكلب الضال الذي هاجمني وأنا أتدرب على العودة بعد المدرسة إلى غير بيتنا، فلم أستطع الجري مذهولا بأني طفل غير قابل للأكل، لكنه لم يعضني من بطني كما كانت تخشى أمي، بل عض محفظتي المدرسية المصنوعة من بقايا شكائر الأمونيتر فبعثر أقلامي الملونة وكراساتي العذراء بأغلفتها البلاستيك وأجج أشواقي الطفولية البكر إلى بيتنا في دير الكاف، بعد يومين من الدراسة بعيدا عن أمي، عندما سلمني أبي إلى خالته بضربة قاضية من القسوة: “اقتليه وحاسبيني بجلده”، إنما خدعني قبل ذلك بأن همس في أذني: “لا تكن بغلا مثل أبيك”، أقف على نفس المكان، متهيئا لي أنه لم يبق مني سوى الجلد، لكني لست بغلا في كل الحالات. 

على طريق هذا الوادي، وعلى مدى عامين من البعد عن بيتنا، عشت الخوف وتورطت في محنة التلعثم، بعد ذلك عرفت أن ذلك بسبب ارتباك الروح الطفولية المنعزلة، عرفت الشوق المبرح في أواسط الأسابيع وليالي الشتاء التي لا تنتهي، انتهيت إلى التبول على نفسي ليلا وحتى نهارا شكلا من أشكال الدفاع المبكر على النفس.

كنت قد بلغت على هذه الطريق، وفق التقويم الذي لا يخطئ لأمي: “ست سنوات وبضعة أيام فقط من الفراق، لأنك ولدت عند العاشرة ليلا من مساء الثلاثاء، الثاني عشر من سبتمبر 1965، كانت ليلة ممطرة وباردة، كنت ابني البكر ولم يكن بيني وبينك سوى خمسة عشر عاما، حتى أني لم أعرف كيف ألدك ولا ماذا أفعل بك”، ومن وقتها، كان علي أن أتعلم كيف أخاتل الشوق في نهايات الأسابيع المضنية، أحتال على العبارات العاطفية، أشيح بوجهي حين يشتاق لي أحد، لأن “الرجال لا يبكون”، وليست لهم حالات عاطفية، فأنا لا أشتاق إلى أحد. أحببت فقط السماءات الرمادية الغائمة لهذا المكان والأمطار الفيضانية التي لا تنتهي لبداية السبعينات، وهدير الــ”وزينة”، التسمية البدوية الأولى للسد الذي يصنع الكهرباء من الماء وسط دوي كوني علي أن أتعود عليه حتى مراهقتي.

على ضفة هذا الوادي لهوت، جريت وحدي، محتفلا دون أي أحلام بنجاحي: كنت الأول في المعتمدية كلها في امتحان السادسة ابتدائي، في هذا الوادي، تدربت على إضرام نيران صيد سمك الباربو ذيء الطعم البائس، سمك بوري المياه الحلوة في أيام الفيضانات والطين، من هذا الوادي حملت سمكة بوري حية تقاربني طولا إلى البيت وأنا أصرخ طلبا للمساعدة، داخلني الغرور حين أفتخر أحدهم بأن فيها لحما أكثر من برشني جيد.

عدت صيفا إلى الوادي، بعد قرابة أربعين عاما، ماذا لو بقيت هنا ؟ ماذا لو أكل الكلب الضال بطني ؟ ماذا لو لم أحقق أمنية أبي في أن لا أكون بغلا ؟

شاهد أيضاً

أشعر بالعار

خير الدين الصوابني أشعر بالعار عندما اعلم أن على بعد بضع كيلومترات من بلدي انبتت ...

اترك رد