الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / من المسؤول عن تحوّل الثورات العربية إلى “محرقة عربية” ؟؟؟

من المسؤول عن تحوّل الثورات العربية إلى “محرقة عربية” ؟؟؟

عبد الرزاق الحاج مسعود

وحين نتحدّث عن محرقة فليس الأمر من قبيل المجاز اللغوي بتاتا لأن من يغمض عينيه للحظة ويتخيّل برميلا متفجرا أو صاروخا روسيا أو إيرانيا يسقط على عمارة في مدينة من مدن سوريا سيرى أشلاء الإنسان تتناثر في الهواء وتختلط بالتراب ويسمع صراخ المحترقين والمختنقين تحت الأنقاض ويسمع أنين المحتضرين ويشعر برعب الهائمين على وجوههم بعد كل قصف، أو يتخيّل قرية يمنية تدكّها طائرات مزينة بالعلم السعودي الناطق بالشهادتين وهي تطلق رصاصا أمريكيا حارقا للبشر والشجر والحجر، أو يتخيّل حيا من أحياء الموصل تحاصره ميليشيا عراقية/إيرانية بتغطية جوية أمريكية وتنسف منازله على من فيها وتقتّل الفارين من الجحيم الداعشي…

إنها محرقة غير مسبوقة ينذر لهيبها بالتمدّد نحو أطراف الخارطة العربية بين الحين والآخر، ولا يدري أحد من يُذكي وقودها تحديدا حيث يدّعي الجميع من تحالف دولي وأنظمة قائمة ودولا متدخّلة محاربة تنظيم يكاد يصبح هلاميا بلا ملامح ولا هوية ولا تاريخ ولادة إلا ما يسرّبه عنه إعلام عالمي احترف التضليل والتعتيم والتزوير حتّى لم يعد أحد يذكر بداية الحلم الديمقراطي العربي الذي نجح أعداؤه في تحويله إلى كابوس تتجاوز بشاعته قدرات خيال أعتى الفاشيات التي عرفها التاريخ البشري.

هل حان الوقت لبلورة إجابة متوازنة معتدلة عقلانية على هذا السؤال الذي يغذّي انقساماتنا القديمة ويعمّقها؟
طبعا أطرح هذا السؤال وفي ذهني ما يتردد ويتكرر من إجابات انفعالية وثوقية تنطلق من قراءات “تمامية” “موفّقة” بهدي إيديولوجي غالبا ما يكون مسنودا بـ “إيعاز” مخابراتي أو انحياز عقائدي قبلي لا يتورّع عن معاندة حقائق الواقع وقواعد العقل بصلف ووقاحة مخجلتين.

• من الرائج الذي يكاد يرتفع إلى مستوى البداهة القول بان الربيع العربي كان مؤامرة امبريالية صهيونية بغاية خلق حالة من الفوضى السياسية الشاملة والدائمة في المنطقة العربية ومزيد تقسيم “الأقطار” العربية لإحداث حالة تفوّق دائم لصالح الكيان الصهيوني ومزيد استنزاف ثروات العرب في آخر أيام الثروة النفطية.
ولا يكلّف هذا الطرح “الميتافيزيقي” (باعتباره قادرا بمصادرة عامة إطلاقية جازمة على استقراء استراتيجية العدوّ دون الحاجة إلى برهنة إلا من قبيل المزايدة الشعاراتية) نفسه عناء بيان طبيعة وحجم الخطر الذي كانت تمثله الأنظمة العربية قبل الربيع العربي على الغرب الاستعماري واسرائيل.. لا يكلف هذا الطرح نفسه مشقة إثبات ثورية ووطنية أنظمة بن علي ومبارك والقذافي وصالح وبشار حتى يبرر للامبريالية العالمية إقدامها على إزاحة هؤلاء خوفا على مصالحها المهددة، وإن كان يجد بعض السند لهرطقته في جنون الخطابة الاستعراضية المجانية الخرقاء للقذافي (وقد أمضوا زمنا طويلا يتجنبون فيه التبني العلني لنظام القذافي الكوميدي قبل أن يسعفهم الناتو بمدخل سياسي لنقد الثورة الليبية التي تحتاج قراءة سياقية أخرى) وفي ممانعة عائلة الأسد التي لا يمكن تناولها لا بمنطق الوظيفية الانتهازية ولا بمنطق المبدئية النضالية… بل أنها كانت محكومة بعاملين كبيرين: عنوان المقاومة لدى النظام السوري كان ملفا مخابراتيا/سياسيا خالصا يتخذ من المقاومة الفلسطينية والوجود الفلسطيني على ارض سوريا ومن الجوار اللبناني ثم من العلاقة بحزب الله وحماس ورقة سياسية للضغط والمساومة والمناورة لممارسة حضور إقليمي في منطقة تمثل سرة السياسة العالمية لعقود. ملفّ يتيح لسوريا التصرف كمنافس للعراق باعتباره خصما/ شريكا في الخلفية الإيديولوجية البعثية وفي الوزن السياسي العربي والإقليمي من ناحية، ويمكّنها من ابتزاز شعب -على درجة عالية من الوعي السياسي والحركية الفكرية والإبداعية- باسم تفويض شعبي أبدي للنظام العائلي المخابراتي حتى يقوم بمهمة تحرير فلسطين مقابل تنازل الشعب عن كل حقوقه الإنسانية في الحرية والكرامة والديمقراطية. هكذا نجح النظام السوري في تجيير حالة الجوار المباشر لإسرائيل لامتصاص استراتيجي لروح ومقدّرات المقاومة وترسيخ أركان حكم المخابرات والعائلة الفاسدة، ولكنه انتهى ضحية هذا التجيير الانتهازي لقيمة المقاومة والصمود التي لم تخبُ في قلوب الشتات الفلسطيني وأجزاء كبيرة من الشعوب العربية التي اتخذت على امتداد أجيال من اسم فلسطين عنوانا للتحرر من الاستبداد والاستعمار في نفس الوقت.
لذلك كانت الثورات الأخيرة مدخلا استراتيجيا لإنجاز المهمتين المتلازمتين لولا أن ارتدّ ضدّها استبداد الداخل واستعمار الخارج في تحالف تتبدّى تفاصيله الآن للعموم.

• الحريق العربي المضطرم الآن هو خريطة مركبة للانقلاب على فرصة الحرية التي كانت تؤذن بتغيّر ممكن ومطلوب لخارطة السياسة والوعي العربيين.

تحوّلت الثورات إلى حريق شامل:

1. لأن المصالح الاستعمارية العالمية المرتبطة عضويا بطاقة العرب ومالهم وأرضهم ومصيرهم، والتي لا تزال تمتلك أدوات فعل مؤثرة على كل جبهات الفعل في منطقتنا، هذه المصالح تداركت ارتباكها الأول أمام ثورة تونس الصغيرة وأرجأت الانقلاب الشامل عليها لصالح سياسة التعطيل والإرباك والفوضى الجزئية ثم الاختراق الإعلامي ثم السياسي الانتخابي الناعم لتتفرّغ لكل من مصر وسوريا باعتبارهما مفتاحا المصير العربي إلى حد كبير.

• فعجلت بانقلاب دموي ماحق على الديمقراطية في مصر لا يشك اليوم أحد حتى من بين من دعمه من القوى “الحداثية” المزعومة أنه من تدبير غرفة عمليات مخابراتية جمعت نومنكلاتورا الجيش المصري المتحولة إلى مافيا اقتصادية مرتبطة بصفقات التسليح وكل قطاعات الاقتصاد المصري الرسمي والموازي إلى جانب مخابرات دولية تعوّدت التنسيق مع قيادات الجيش المصري المرتهن لـ “المساعدات” الأمريكية، إضافة لفاعلين عربيين واحد قديم وهو السعودية التي تمثل رأس المال الريعي المحروس وظيفيا وانتهازيا بإيديولوجيا دينية طقوسية ماضوية متمذهبة، والباحثة عن استعادة دور سياسي إقليمي مفقود ومصادر لصالح قوى صاعدة جديدة من ناحية (إيران وقطر وتركيا وحتى حليفتها المرحلية الإمارات)، والواقعة تحت ضغط أمريكي نتيجة تورّطها الغبي في توفير “المادّة البشرية” للإرهاب من جهاديين سلفيين حمقى يتمّ توظيفهم بموافقة منها حينا ورغما عنها وضدها أحيانا، وفاعل جديد صاعد هو الإمارات باعتبارها قاعدة متقدّمة للرأسمالية المالية التجارية المعولمة التي امتلأ قادتها الجدد بوهم الحق في امتلاك وزن سياسي إقليمي ودولي يوازي وزنها المالي الممتد عالميا. (طبعا في كلتا الحالتين السعودية والإماراتية يلعب العامل الشخصي المرتبط بطموح قادتها الجدد دورا في ما يجري من تطوّرات). من هنا جاء دورهما في دعم مالي سخيّ حدّ السفه للانقلاب المصري بغاية وأد الديمقراطية في بلد مثّل دائما رئة العرب ومختبرا عربيا للأفكار الجديدة منذ محمد علي.

• أما سوريا فهي تمثّل ساحة الانقلاب الأكثر بشاعة على الربيع العربي حيث التقت مصالح دولية متناقضة على مهمة واحدة هي تحويل حلم الحرية إلى فاجعة عربية من شأنها أن تزهّد الإنسان العربي في مجرّد التفكير في حقّ من حقوقه الإنسانية. التقت على الشعب السوري الشهيد دكتاتورية عسكرية مخابراتية مافيوية لم تكن مستعدّة للتنازل عن ذرّة من مصالحها، مع كيان صهيوني مجاور ومحتلّ لجزء من سوريا عمل خلال ست سنوات على الإشراف الميداني والمخابراتي والسياسي “الحكيم” على المحرقة السورية بغاية إطالة أمدها وتحويلها إلى فوضى دائمة تقضي نهائيا على بدايات النهوض العربي الذي وعدت به ثورات الحرية الأخيرة، مع فاعل مذهبي (ونحن نأسف فعلا على وصفه هكذا لأننا كنا نفضّل تصنيفه بشكل آخر لولا أنه يحرص في كل مرة على إبراز هويته المذهبية على حساب هويات سياسية أخرى ممكنة وأكثر انتماء للعصر من هذه الهوية القروسطية المتخلّفة) إقليمي/محلّي ممثلا في إيران وذراعها المذهبية حزب الله، هذا الفاعل الغريب عن قاموس السياسة الحديثة يمارس احتلالا عسكريا ميدانيا لمدن سورية بأكملها ويتجه نحو تغيير المعطى الديمغرافي السوري بتوطين شيعة أفغان مرتزقة وإيرانيين في مدن هجّر كل سكانها، إلى جانب فاعل إقليمي كبير ممثلا في تركيا المشغولة وجوديا بالملف الكردي الذي يمتدّ على طول حدودها الجنوبية مع سوريا المستباحة، والتي تورّطت في خيار تدويل الحرب السورية حين فتحت حدودها لمتطوّعين مأجورين تبيّن فيما بعد أنهم كانوا مكلّفين باختراق الثورة وحرفها عن أهدافها وتشويهها، هؤلاء جميعا يضاف إليهم أو يسبقهم فاعلان دوليان كبيران هما الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها قوة استعمارية تقليدية منذ الحرب الثانية وروسيا الوريثة لترسانة الإتحاد السوفياتي العسكرية ولتقاليده السياسية الهيمنية زمن الحرب الباردة، وكلتاهما حريصتان على مصلحة الكيان الصهيوني رغم اختلافاتهما التكتيكية في تصريف يوميات الحرب وربما في صياغة مخرجاتها وتقسيم مكاسبها الاستراتيجية بين أمريكا المترددة في حسم طبيعة وحجم حضورها الخارجي وروسيا المغرورة بما حققته من حضور جديد في السياسة الدولية زمن تردّد أمريكي تدرك جيدا أنه قد يكون وقتيا، وحينها قد لا تكون مستعدّة لدفع ثمن تعويض الحضور العسكري الأمريكي في منطقة تنام على ألغام قابلة للانفجار بين حين وآخر.
الفاعل الأهم الذي يغيب في كل هذا هو ما تبقّى من الشعب السوري الذي يقف في قلب الجحيم ولا يرى في كل هؤلاء من يعبّر عن حلمه في الحرية والكرامة والسيادة على أرضه سوى بعض الفصائل الوطنية المعارضة التي لا صوت لها وسط دوّي التدمير اليومي والتي تدرك أن الفعل وسط هذه الشبكة من المصالح الإستعمارية والإجرامية المتداخلة والمتناقضة والمتقاطعة هو أمر يشبه المعجزة، ولكنها موجودة ويجرم كلّ من ينظر إلى المحرقة السورية ولا يراها.

• تحوّلت الثورات إلى حريق:

2. لأن البنية الذهنية العربية (ولا أقول العقل العربي بتعبير الجابري المتحمّس للقديم) غير قادرة على إنتاج شروط التفكير العقلاني الحرّ. العرب ضحية مخيّلة متكلّسة جامدة لا تستطيع أن تفكّر خارج ثنائيات قاتلة للتفكير ومعقّمة للخيال (الأصالة والحداثة والتراث والتجديد… الخ). سيذكر التاريخ أن العرب حين هبّت عليهم نسائم الحرية ورأوا أنظمتهم القمعية المستبدّة تتهاوى سارعوا إلى ماضيهم يبحثون فيه عن شكل النظام السياسي الذي سيديرون به شؤونهم في القرن الواحد والعشرين، وطفقوا يختصمون حول مصادر القوانين التي سينظمون بها سيرهم في طرقات التاريخ الذي عادوا إليه بعد “بيات استبدادي طويل” كأنهم سيكتشفون العجلة من جديد. انشغلوا بحرب داخلية حول الشريعة والمدنية والدين والعقل وخرج من بينهم من يشهر سلاحه على الجميع ليفرض العودة إلى “حكم الشريعة” وليوفّر ذريعة منطقية لصعود قوى نقيضة له تدّعي الدفاع عن المدنية والحداثة بكلّ الوسائل المتاحة بما فيها الانقلاب العسكري الدموي أو استدعاء الاستعمار المباشر ما دامت الغاية “إنسانية” جدا في مواجهة خطر همجي بدائي يرفع شعار المقدّس.

• لنكن حاسمين مرة واحدة هنا: الغول الداعشي خرج من زوايا الفكرة الدينية المحنّطة التي تشكّل وعي العرب الديني في عمومه، وهي فكرة مبثوثة في كلّ مصادر التفكير الديني التقليدي الذي ما زال يراوح حول نفس المرجعيات الفقهية التي لا يمكن بأي حال أن تنتج عقلا حيا يقارب به العربي العالم الحديث الذي يتحوّل على وقع التكنولوجيا الرقمية المعولمة.
التديّن الفقهي (ولا أقول العقل الفقهي لأنه ليس عقلا بتاتا) المنشدّ إلى “أصول” ثابتة لا تتغير سيظلّ ينتج نمطين من التديّن الإسلامي: تديّن سني وهابي داعشي جاهل ومجرم يمثّل اليوم وتد خيمة الظلام العملاقة التي تجثم على رؤوس المسلمين لا العرب فقط، أو تديّن شيعي خرافي وإجرامي أيضا، وكلا التديّنين يشكلان سياجا عاليا يمنع عن المسلمين رؤية الأفق الإنساني المفتوح ويمثلان مادة كافية لتفجير حرب الجنون وجنون الحرب أينما حلّا. ولا سبيل لفكرة ثالثة بينهما تدّعي بحسن نية غالبا على مصالحة مستحيلة بين الإسلام الأصولي المستقرّ والعقل الحرّ. وهنا نحتاج شجاعة كافية لدخول منطقة جديدة من التفكير طالما تهيّبناها وأشفقنا منها: كلّ حديث عن انبعاث حضاري عربي على قاعدة الإيمان بان للعرب موروثا حضاريا يمكنهم من المساهمة في الحضارة الإنسانية الحديثة هو حديث قائم على وهم خالص. ليس للعرب ما يقدّمونه للبشرية التي لا تحتاجهم. لأن الإسهام العربي الإسلامي في الحضارة البشرية تمّ في لحظته بتفوّق ونجاعة ما زالت آثارها ماثلة في التاريخ. العقل العربي في ذروة صعوده اندمج في عقل العالم ونقل فلسفة اليونان للبشرية عبر أوروبا وابتكر العلوم الحديثة من رياضيات وطب وفلك وكيمياء ووسّع المخيلة الإنسانية بالأدب والموسيقى خصوصا في مرحلته الأندلسية، وهو في كل ذلك كان يبثّ “روحية” أخلاقية أسهمت في الارتقاء الإنساني العام الذي استمر في التفاعل مع النهضة الأوروبية وعقل الأنوار والعقلانية العلمية وصولا إلى المرحلة الحالية من تاريخ الإنسان حيث تدخل البشرية طورا جديدا من التقدّم العلمي المعلوماتي الذي يتجه نحو توحيد مصير الإنسانية بحيث لا يمكن صدّه أو النأي عنه تحت أي ذريعة. تقدّم يضع الإنسانية أمام فرص كبيرة لتحسين شروط وجود الإنسان على كوكب الأرض بل يتطلّع نحو كواكب جديدة أيضا، ولكنه وفي نفس الوقت يقرّبها من احتمال زوالها بما يطوّره من وسائل التدمير الشامل القادرة على إنهاء الحياة على الأرض بضغطة زرّ واحدة. هذا الطور البشري الجديد لا يمكن أن يواجهه العرب بعدّة نظرية متآكلة بوهم خصوصية ثقافية تصل حدّ الاعتقاد المرضي بان الإنسانية تنتظر عودة العرب لتنجو من الضلال. العقل البشري ساهم في صنعه المسلمون تاريخيا من موقع متقدّم، وهو اليوم يمثل ذروة التاريخ الإنساني باكتشافاته المذهلة وبانحرافاته الكارثية الممكنة، وهو أيضا يبدع يوميا في “تعديل” وجهته وتجديدها بما تكتشفه مخيلة علمائه وأدبائه وشعرائه ومفكريه الحرّة المنطلقة في كل اتجاهات الوجود الإنساني المتحوّل باستمرار. الإنسان هوية محكومة بقوانين الحركة والتغيّر والتحوّل. وكلّ محاولة لتثبيت هذه الهوية وشدّها إلى “أصول” مكتملة ونهائية تنتهي إلى قتل مادّتها وطاقات المعنى الكامنة فيها.

• إلى ماذا يمكن أن تنتهي هذا المحرقة العربية؟

طبعا لا معنى للحديث العاطفي الحماسي الذي يبشّر بانبعاث الفينيق العربي من الرماد، أو الخطاب الخرافي المهدوي الذي ينتظر المخلّص الغيبي (المسلم طبعا) ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا ويقيم مملكة الله في الأرض. ولا أتردد لحظة هنا في القول أن أي انتصار ممكن لأصحاب هذه البدائل الخرافية اللاتاريخية هو إيذان بمحرقة أشدّ. كل المشاريع الأصولية القائمة المتذرّعة بالدين أو بإيديولوجيا قومية أو ماركسية هي مصانع للفاشية والوحشية. لا التسنّن الوهابي ولا التشيّع الإيراني ولا التعلمن القومجي أو الشيوعي قادر على أن يمثّل بديلا عقلانيا حرا للدمار الحالي لأنها كلها شريك في صناعته.
الواقع العربي الحالي ينذر فعلا بتوفر كل شروط الاندثار، ولن نكون بدعا من الشعوب المندثرة التي يحفظ سجلّ التاريخ أسماءها بحياد بارد لا يعرف حسرة ولا أسفا. سنندثر إن استعصى على ما بقي من نخبنا الفكرية والسياسية لملمة عاجلة لعناصر العقل في اجتماعنا التاريخي والالتقاء على برنامج أدنى لحماية حقّ الإنسان العربي في الحياة بعيدا عن مصانع الوهم والجريمة من جهة وعن استراتيجيات الهيمنة والتدمير والاستعمار والنهب التي لن نعدم القدرة على مناورتها والحدّ من عدوانيّتها وتحييدها إن نجحنا في توحيد جبهتنا الوطنية الداخلية تحت ضغط الضرورة الوجودية وليس نضجا سياسيا في عقول من دون بوصلة.
ليس من اليسير وسط هذا الحريق التنبّؤ بوجهة التاريخ العربي، ولكنّ لحظة الثورة التي صنعت أمل الحرية لدى شعوب العرب أثبتت أن الحرية على أرض العرب ممكنة، ولكنّ أعداءها كثر حتى من بين المتضرّرين من غيابها، أو لعلهم أشدّ أعدائها خطرا عليها.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد