الثلاثاء ، 21 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / “الوصية” الكاذبة

“الوصية” الكاذبة

بحري العرفاوي

كنت تلميذا في الابتدائي في الستينات وكان والدي رحمه الله كل مرة يأتني بعد ذهابه للمسجد بجذاذة مكتوب فيها “وصية” مزعوم نقلها عن خادم قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مفادها أنه وبينما كان نائما رأى في منامه رسولنا الكريم فحدثه عن انتشار الرذيلة والفساد وترك الناس الفرائض وانغماسهم في الشهوات… ثم أعلمه أن الساعة قريبة وستكون يوم كذا… ويطلب صاحب الوصية توزيع نصها على عشرة أشخاص وسيفرح موزعها بعد بضعة أيام وإذا لم يفعل فسيمرض عافاكم الله… كنا نكتب الوصية في ظروف صعبة لا طاولة ولا كهرباء ولا قلم جيد ونوزعها كما يكتب غيرنا ويوزع وكثيرا ما تعود لنا نسخة من بعض من وزعناها عليهم ههه وكنا نجد شعورا غريبا وهو تمني حصول القيامة فعلا لا استعجالا للجنة وإنما هروبا من المدرسة ومن دروس لا نريد إنجازها.

تذكرت هذا اليوم وأنا تزدحم علي مراسلات على الخاص بمواعظ وعبر وتدعوني راجية ألا أتركها تقف عندي… بل ووصلتني نفس وصية الستينات تلك وبنفس المفردات والصياغة.
أيها الأصدقاء: من كان منكم خالص النية أشكره وأدعوه إلى الكف عن هذا الاسلوب الذي ليس بمثله ندعو الناس… “الدعوة” استقامة سلوكية غير متكلفة يجدها من نقترب منهم ونتعامل معهم ونلتقيهم في الشوارع والمقاهي والمساجد والملاعب والمؤسسات والحقول ومقرات الاحزاب والمتاجر والاسواق.

أنا أشك في أن مثل هذا الخطاب هو خطاب مخاتل لصناعة وعي ديني غير دنيوي يترك الحياة وينتظر الموت… يترك الحياة بما هي فعل في التاريخ وإبداع وكدح وتنمية وخوض صراع من أجل السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية في مواجهة الاستبداد والاستعمار والاحتلال. 

هذا الوعي الديني اللادنيوي هو أخطر من الأفيون ومن الكيمياوي حين يشل أليافنا العصبية ويُبرد أجهزتنا النفسية فنستسلم للواقع البائس متمنين جنات يبشرنا بها أصحاب وصية زائفون متحيلون.

شاهد أيضاً

إلى جماعة “الحجّاج”

أحمد الغيلوفي أولا: كم مرَ علينا من حجاج: من حمورابي الي ابي العباس السفاح الي ...

اترك رد