الإثنين ، 11 ديسمبر 2017

ليلة الباك

الطيب الجوادي

أذكرها جيدا ليلة الباك، دورة 1982
استحممت الثامنة ليلا في قصعة النحاس بالصابون الأخضر، حسب التقاليد، وفركت لي هنيّة بحرص فروة الشعر بشمبوا سانسيلك عسى تنفتح كل نوافذ الذكاء في جمجمتي، تأكدت هنية من تثبيت الحرز في ملابسي الداخليّة، وهو الحرز المناط به ان “يعمل الطلاسم للمراقبين”.

وراجعت دروس الفلسفة للمرة الأخيرة، وحاولت ان انام باكرا، ولكن النوم جفاني، حتى الثانية صباحا، بعد ان اضطررت ان اوقظ هنية لاضع راسي في حجرها و”تخرّفني” كما كانت تفعل معي وانا طفل، وفي كل مرة تسألني “اشنوة معناها “الفلفسة؟ تابعة للحساب والا للدين” وانا احاول اقناعها بأنها علم يتصل بامور متاع كفّار لا يمكن ان احدده لها، لن انسى ابدا تلك الليلة.

استفقت السادسة صباحا، وجدت هنيّة قد جهّزت لي فطور الصباح وحرصت أن يشتمل على العسل الجبلي والرايب والعظم العربي والفطاير الساخنة التي أعدتها على “الغنّاي”، ولم تنقطع عن حثّي على الأكل وهي تردّد أدعية وآيات قرآنية وكلاما مبهما وراحت تستجدي الوليّ الصالح سيدي حميدة ان يسهّل عليّ امتحان “الفلفسة”، وان ينجّحني من الضربة الأولى كما فعل معي في السيزيام، واعدة إيّاه بـ “وِعْدة” معتبرة تتمثل في “دندونة” سمّنتها له خصيصا وكانت قد أرغمتني قبل يومين ان أزور مقامه وأشعل فيه الشموع وأتضرّع له وأذرف الدموع بين يديه عساه يمنّ عليّ بعطفه وكرمه فـ “ينجّحني وما يخلّيهاش بيّا”.

مع السادسة والنصف، وبعد ان احتضنتني للمرّة الأخيرة ومسّحت على راسي وغمغمت بكلمات لم أتبيّنها، أسلمتني هنيّة للمنصف ولد عمّي ليركبني وراءه على حماره الأشهب ليوصلني للفيلاج لأركب الحافلة لمدينة الكاف ومنها لمدينة تاجروين.

شاهد أيضاً

الرئاسة لا تكذب كذبة مستشارها !!

عبد اللّطيف درباله إستدعاء السبسي للسفير الأمريكي بتونس واستقباله لتبليغه الاحتجاج الرسمي لبلادنا على قرار ...

اترك رد