الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / تسونامي الخليج أو حماقة الثورة المضادة العربية (2)

تسونامي الخليج أو حماقة الثورة المضادة العربية (2)

أبو يعرب المرزوقي

لابد الآن من فهم الاصطفاف العجيب وراء أعداء الثورة، تشفيا في ثورة الحرية والكرامة، وتمجيدا لخيارات إيران واستقلالها المزعوم. وما أريد بيانه لهؤلاء الأغبياء، أنهم يخطئون إذ يظنون أن الثورة ستهزمها بعض صبيان. توهموا أن من يمنونهم، يشترون بالمال مثل مليشيات القلم والسيف. إنما هم يبذرون أموالهم لخدمة من يتصورون أنفسهم يستخدمونهم: فمراكز البحث واللوبيات الصهيونية لا تمانع في أن يمولهم الصبيان من عملاء العرب. إذ هل يمكن أن يوجد من يرفض تمويل مشروعاته واجندته، ممن تحاك ضده في المدى المتوسط وليس حتى البعيد؟

لكن ذلك كله لم يستفزني، فهو معلوم من عقود.
ما استفزني هو تصور البعض أني غافل على أن العرب كلهم، بمن فيهم قطر، ليس لهم دول مستقلة، رغم فضلها بما تحاول تحقيقه بوعي بالممكن من العمل المفيد. وما استفزني أكثر، هو ظن البعض أن المفاضلة بين الأنظمة العربية أو الإسلامية تعنيني. فلست أجهل أنها جميعا بلا استثناء لا قدرة لها على الاستقلال. ما يعنيني وما لا أنفك عن الكلام فيه، هو شروط الاستقلال بالنسبة إلى الأمة وبيان ما عرضت من شروطه: التحرر مما فعله الانحطاطين بالأحياز الخمسة.

وقد قرأت أن أحد السخفاء يتصور إيران مستقلة. لكأنه لم ير أنها مثل غيرها محمية حتى في حربها على شباب الثورة في سوريا، بدليل لجوئها إلى بوتين. وبوتين اضطرها مثلما اضطرت أمريكا العرب والأتراك إلى تمكينه من قاعدة على أرضها، وإن أخفتها. فالدول لا تكون مستقلة بالإرادة فحسب، بل بالقدرة. إنها أتبع للغرب من العرب والأتراك: فسكوت الغرب عن عنترياتها، وما يجعلها تبدو وكأنها قادرة على مقاومته، هو خدماتها ضد ما يخشاه: الاستئناف السني. فطبيعي جدا أن يسمح الغرب لحصان طروادة بما يوهمه أنه فاعل وأنه مستقل، فيجد بعض الأغبياء من العرب من يتصورونه مقاوما ويصطفون معه وهو يحتل أرضهم. وطبيعي جدا أن تمكن إسرائيل والغرب إيران من وهم استعادة امبراطوريتها، لأنها تتذاكى وتتصور مثل بعض صبيان الخليج، أن تسمح بما لا يخدم أجندتها. فذراع إيران تطلق إلى حد لا يهدد خطة الغرب واسرائيل: منع استئناف غولين جربتهما أوروبا في بداية دولة الإسلام وفي نهايتها، أي العرب والأتراك.
وهذه ليست سياسة جديدة: فالصليبيون وحتى المغول استعملوها، فكانت الرافضة وفتات الدولة العبيدية أهم عون لهم في غزو الإقليم بنفس الاسلوب الحالي.

أما سخفاء النخب العربية عامة، وبعض المأجورين في تونس ممن يطبلون لحزب الله وإيران وبشار والسيسي وحفتر وبعض صبيان الخليج، فهم من مليشيات القلم، واقصى ما يمكن أن يشفع لهم، هو ربما الجهل بهذه المعطيات، التي وإن شفعت لهم من حيث القصد، فهي تضيف الجهل والجهالة إلى دناءة الارتزاق والخيانة.

لكن قطر وتركيا، وحتى ماليزيا، رغم كونهم جميعا يعانون من نفس التبعية بسبب الحجم وخطة الاستعمار، يعملون مع ذلك بأجندة موجبة تحقق شروط الاستقلال. وذكاء أمير قطر الوالد، وفيه يواصل ابنه، تمثل في اختيار وسائل العصر لتحقيق قدر مهم من الاستقلال: الجزيرة والاستثمار في الاقتصاد العالمي.
وذكاء تركيا، تمثل في إعادة صوغ دورها في الحلف الاطلسي بعد أن عملت جاهدة على تحقيق الحدود المعقولة من عدم التبعية الاقتصادية وإصلاح الدولة. وذكاء ماليزيا كذلك -وفيها عشت أربع سنوات- هو الانطلاق من واقع التبعية، بخطة تحقق شروط التحرر منها بتدرج واستراتيجية طويلة المدى نرى ثمراتها.

أما مليشيات القلم، والصبيان الذين يحاربون الثورة والمقاومة الفلسطينية والسورية والليبية والمصرية والتونسية، ويريدون ضرب قطر، فعملهم نقيض ذلك. هم يعمقون التبعية ويحققون أجندة إيران وإسرائيل، أعني منع العرب والأتراك من استئناف دور السنة في الإقليم، وتمكين أعداء الإسلام من السلطان عليه. كشف الداء هو ما يعنيني من الكلام في الوضع، وليس الدفاع عن زيد أو عمرو: أعلم أن بلاد العرب ظلت محميات بلا خطة للتحرر، فكلنا عبيد لأحقر الخلق. فتسابق الصبيان والمافيات على حكم بلا سيادة، قضى على جل بلاد العرب. ونفس الأمر بدأ يدب في اسر الحكم في الخليج، وأولها أكبرها. وقد يفتتها. ولا يمكن الاحتجاج بأهل مكة أدرى بشعابها: فالمتسابقون يدفعون قِرَبنا لمن يأتيهم بالماء من الماء، ليرضى بنو صهيون ولوبياتهم وحماتهم. وقد بلغت بهم الوقاحة إلى عدم التستر على ذلك منذ القمم الثلاث المنحوسة: جزية لترامب، وقربان إسرائيل هو ثورة الحرية والكرامة ومقاومة وفلسطين.

لكنك تجد من بين النخب التي تدعي الحداثة والتنوير، من يتحالف مع إيران وإسرائيل وتوابعها من صبيان العرب الذين يخدمونهما من اجل الكرسي والتوريث. لهذا أكتب في الوضع الراهن ولا أدافع عن أحد. فهمي ليس الدفاع، بل جعل الشباب والأمة تتذكر أن القرآن حدد للعاقلين شروط السيادة وقاية وعلاجا. لذلك فعلي أن أختم بالقول إن أكفر المسلمين هم العرب، وخاصة صبيان الأنظمة التي تتناقز على كراسي الحكم والوراثة لحكم محميات لا سيادة لها.
واعترف بأني أفضل من يعلم ذلك من الشباب الحاكم، ويسعى لتحقيق شروط التحرر من التبعية كما في الأمثلة الثلاثة التي ضربتها: قطر وتركيا وماليزيا.

شاهد أيضاً

حين رأى خوفي واضطرابي

عبد اللطيف علوي حين رأى خوفي واضطرابي، أحسّ أنّها الفرصة المناسبة لاقتناص فريسته، قال لي ...

اترك رد