الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / مورو شخصية طوّافة في بيئة خوّافة

مورو شخصية طوّافة في بيئة خوّافة

بحري العرفاوي

قال: “الفن يربط عالم الأرض بعالم السماء” لو أنه قال هذه الجملة فقط لكفته إبلاغ رسالة عميقة.

كنت أجد فروقا كبيرة بين شخصيتيْ الأستاذ راشد الغنوشي والأستاذ عبد الفتاح مورو منذ بداية الثمانينات وأنا أتابع دروسهما المسجدية في العاصمة.
بقدر الصرامة الفكرية والحزم السلوكي الذين نلحظهما لدى الاستاذ الغنوشي (وكنا نحب فيه ذلك) كان مورو شخصية مرحة منشرحة مع غزارة معرفية وعمق فكري وكثافة دلالية.
أعتقد أن مورو مسكون بـ “الإنسان” في كل تقلباته وتنوعه وتعدده فهو لا يستنكف من التعامل مع أي وضعية ولا يجد حاجزا يفصله على أي كان ومهما كان طالما فيه نفخة من روح الله.
وفي الحديث: “أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقا الموطّأون أكنافا الذين يألفون ويُؤلفون ولا خير في من لا يألف ولا يُؤلف”. 

كلما ظهر الأستاذ مورو في حصة تلفزية يحضره جمهور إلا واستُقبل بحفاوة وترحاب وتفاعلَ بلطافة وتودد مع من حوله… أتذكر شيخا آخر حضر مع المنشط نوفل الورتاني وكان يحاول إيجاد تواصل مع الجمهور متوجها إليه كل مرة بسؤال يريده تفاعليا ولكن الجمهور كان يقابله ببرود وتجاهل.
ربما لأن تكوين “الجماعة” تأسس على فكرة أننا على حق ونقاوة وإيمان وأن الآخرين على ضلالة وانحلال و”جاهلية” فكانت النتيجة “خوف” من الإنخراط مع الناس حتى في ما ليس فيه ملامسة لحرام.

ليس مُهما أين نحضر أو أين نكتب المهم ماذا نقول وكيف نتصرف وماذا نكتب.
من آمن بـ “حيثما تولوا فثم وجه الله” لا ييأس من وجود الله في أي مكان وفي أي كائن. كل الكائنات الحية هي محاريب نلتقي فيها الله ونعبده.
عوالم الفنون والإبداع والجمال والأشواق والمحبة هي عوالم إنسانية شفافة لا يرقى إليها إلا من تطهر فعلا من تكثّف الغريزة بما هي شهوة وبما هي حقد وكراهية وعقد نفسية هي من أخلاط النفس والذهن غير السّويّين… مورو تكلم في الفن بما هو سلالم تصل عالم الأرض بعالم السماء.. ولو كان قال هذه الجملة فقط لكفته إبلاغ رسالة عميقة تحتاج تفصيلا وتأويلا.

ـ من وجوه الاستبداد رفض مساحات التخصص والفرادة والابداع لدى الآخرين ومحاولة “تنميطهم” وفق تصورنا نحن للشخصة النضالية أو السياسية أو الإسلامية… ومن وجوه الخوف أيضا وفقدان الثقة في النفس “الهروبُ” من مناشط شعبنا المتنوعة متفاوتة المستويات إبداعا واستقامة وجدية والتزاما.

ـ لماذا يُضَيِّق كثير من الناس على أنفسهم ما يتسع إليهم ولغيرهم من شركائهم في الإنسانية أو في الوطن أو في الحزب؟

عبد الفتاح مورو ببساطة: هو الوحيد من الشخصيات التونسية الذي سيبكيه يوما ما كل التونسيين شبابا وشيوخا نساء ورجالا سياسيين ومثقفين ورياضيين وزبراطة وآخرين لا نعلمهم الله يعلمهم.

شاهد أيضاً

صراع الهمجيات الطائفية

الأمين البوعزيزي أن يجرّم كهنوت آل سعود “حزب الله” ليس مدعاة لرد فعل بافلوفي كونها ...

اترك رد