الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / رمضان النّهضة ورمضان الإنحطاط

رمضان النّهضة ورمضان الإنحطاط

حسين السنوسي

1. مازلنا نقول إنّ الإسلام دين ودنيا. عبادة وخلافة. صلة بالسّماء وتعمير للأرض. مازلنا نقول إنّ دين اللّه هو وحده الذي يضمن هذا الإتساق الجميل بين “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ” و”لَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا”. لذلك فإنّنا ننظر بكثير من الحذر إلى القراءات التّي تأخذ بطرف واحد من طرفي المعادلة الإلاهيّة وتهمل الآخر.

2. صوم رمضان واحد من الخمس التّي بني الإسلام عليها -حسب الحديث النّبويّ المتّفق عليه-. لا غرابة إذن أن نجد فيه ترجمة دقيقة وكاملة لروح الإسلام التّي وصفناها في النّقطة الأولى.

3. بالإمكان مثلا أن ننطلق من الحديث الذّي يقول فيه الرّسول الكريم إنّ للصّائم فرحتين: فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى ربّه. عندما نفكّر في الفرحة الأولى ندرك أنّها فرحات متعدّدة لا فرحة واحدة: فرحة النّجاح في امتحان وفرحة أداء الواجب وفرحة العمل المتقن وفرحة التّغلّب على صعوبة إضافة إلى فرحة بشريّة مشروعة: العودة إلى لذّات الدّنيا من أكل وشرب وغيرهما.

4. قد يكون المسلم في يومه ذاك واجه حرارة شديدة أو تعبا مفرطا وقد يكون تغلّب في عمله على مشكلة معقّدة وقد يكون أحد شاتمه فقال “إنّي صائم”. رغم كلّ ذلك صام يومه وأطاع ربّه وهل صفّدت الشّياطين وغلّقت أبواب جهنّم إلّا من أجل ذلك؟

5. الصّوم إذن مدرسة للصّبر والإيجابيّة والإعتدال وأجمل ما في هذه المدرسة أنّها ليست حكرا على فئة دون فئة بل قد يستفيد منها البسطاء من المسلمين قبل غيرهم.

6. منذ سنوات صادف أن كان شهر رمضان في فصل الصيف وكان ذلك الصّيف شديد الحرارة. التقيت في تلك الأيّام بعجوز فاضلة من نسائنا اللاّتي لم يتعلّمن القراءة والكتابة فسألتها عن حالها مع شهر الصّيام فقالت لي إنّها تواصل عملها العاديّ واهتمامها ببيتها وأبنائها وأحفادها وأنّها تجد صعوبة في ذلك بسبب الصّوم والحرارة لكنّها -والحمد للّه- تحرص على ألّا تضعف عن أداء واجبها لأنّه يجب الذّي يجب.

7. بعد ذلك بأيّام قليلة عدت إلى فرنسا فوجدت حديث السّاعة يدور حول مقال كتبه مثقّف “مسلم” في جريدة لوموند يعيب فيه على الإسلام أنّه لا يسمح لأتباعه ولو بشربة ماء في شهر أوت ويعتبر ذلك شكلا من أشكال العنف الذّي يزعم أنّه يجده في الإسلام بدءا بالصّلاة وانتهاءا برجم الزّناة.

8. “يجب الذي يجب”. صدقت واللّه أمّنا وأدركت ما لم يدركه المتخرّج من المدارس الكبرى.

9. الصّوم إذن مدرسة للنّهضة يرتادها كلّ من أراد من أبناء هذه الأمّة. لماذا إذن لم تفلح أمّة ا لصّبر والإيجابيّة والإعتدال في بناء نهضتها؟ لماذا يقول لنا البعض -كدت أقول يعيّرنا- “صيامكم يعطّل الإنتاج ويفسد أخلاق النّاس ويضعف أجسامهم”؟

10. في البدء كان هناك “شهر رمضان الذّي أنزل فيه القرآن” و”من شهد منكم الشّهر فليصمه” ثمّ “أبدع” المسلمون رمضانات تختلف وتتّفق مع رمضان القرآن وتتّفق وتختلف فيما بينها. لا ضير في ذلك ولا غرابة. كما أنّ القرآن الكريم عند الإمام علي “لا ينطق وإنّما يتكلّم به الرّجال” فإنّ الإسلام لا ينزل إلى الواقع إلّا من خلال ترجمة بشريّة تحمل في طيّاتها نقائص البشر وأخطاءهم. إنّما تبدأ المشكلة عندما تبتعد الصّورة عن المثال حتّى تؤدّي إلى نقيض ما أراده.

11. الإستهلاك البهيمي و”النّرفزة” و”الرّمضنة” والنّوم في المكاتب والمسلسلات التّلفزيّة الرّديئة تؤدّي تحديدا إلى نقيض ما كان يراد برمضان.

12. هناك فرق بين شهر الصّيام الذي أراده اللّه و”سيدي رمضان” كما يريده بعض البشر. هناك فرق بين رمضان النّهضة ورمضان الإنحطاط.

شاهد أيضاً

مدينتي التي أعرفها ترفض أن تتجمّل بالأصنام

محمد القطّي خطير ما يحدث في صفاقس  بعد الفضيحة التي وقعت في إجتماع الجلسة التمهيدية ...

اترك رد