الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / علاقة العرب بالأتراك علل فتورها العميقة وشروط دور الأمة

علاقة العرب بالأتراك علل فتورها العميقة وشروط دور الأمة

أبو يعرب المرزوقي

أجبت في مداخلتي أمس الأول في الكويت عن سؤال: “ما أسباب فتور العلاقات العربية التركية” بصورة أحاول رسمها كتابيا، لأن الجواب كان شفويا وسريعا.
لما قبلت المشاركة للجواب عن هذا السؤال الذي اقترح علي، لم يدر بخلدي الكلام حول ما ترتب على جرثومتي القومية، التي غزت شعوب الإسلام بعد الاستعمار، كما لم يدر بخلدي الكلام على الطائفيين، سواء داخل الإسلام أو داخل الأديان المنزلة الثلاثة في دار الإسلام، ودورهم في اعتمادها خلال حرب القوميات. ولست أنفي أن لهذا وذاك دورا فيما يجري في الحاضر.

ما دفعني للقبول أمر آخر اعتبره متعلقا بما يقتضيه المستقبل، إذا انطلقنا منه لفهم التاريخ، وأقصد تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ومنزلتها في تاريخ العالم: ذلك هو الأمر الذي يعنيني، والذي اعتبره جوهر العلاقة بين العرب والأتراك.
ومنطلقي هو مفارقة ينبغي أن نعيها حتى نتجاوزها: فعلاقة التركي بالإسلام أصفى من علاقة العربي به، لالتباس معنى العروبة بسبب عروبة لغة القرآن.
كما قد يتوهم العربي أنه أصل الإسلام، لأنه تاريخيا كان منطلق نشأته التاريخية أو صاحب نشأته التاريخية، فلا تتحرر علاقته به من جرثومة القومية.
التركي، ومثله كل مسلم غير عربي، علاقته بالإسلام صافية، لأنها علاقة متجاوزة لوسيط القومية واللسان، إلى الكونية التي تنبع من المعاني الكلية.
ونبعها من المعاني الكلية، يجعلها مصدرا للمباني الحضارية المتجاوزة للقوميات، ومن ثم فهي مدركة لقيم القرآن المتعالية: الآية 1 من سورة النساء، والآية 13 من سورة الحجرات.
أول أسباب الفتور متأت من هذه العلاقة، التي مصدرها لبس العروبة.
عروبة القرآن ليست عرقية، فلا علاقة لها بجرثومة القومية الحديثة وما ترتب عليها.
ولأن هذا اللبس ما يزال ساريا، يتصور العرب هم الذين قتلوا الرمز من حيث فاعليته، واكتفوا بادعاء الأولوية في تمثيله، لأن لسانه ونشأته عربية.
وبعبارة أوضح: يزعمون أنهم أولى من الأتراك أو غيرهم من شعوب الإسلام من غير العرب -علما وأنهم الآن أكثر من تسعين في المائة- تمثيلا لمستقبله.
صحيح أن معالم الإسلام الأولى (الحرمين والحرم الثالث) كلها في أرض العرب (ما تزال في أرضهم التي لا يفعلون شيئا لئلا يفقدوها). فما دورها؟
هي معالم تؤدي دورها الرمزي عند الالتفات إلى الماضي، لكن هل توجد دولة عربية تستمد شرعيتها مما تقتضيه هذه المعالم؟ أم هي تنفي دورها المستقبلي؟
رهان التنافس بين بعض العرب والأتراك هو: فقدان الطموح الامبراطوري الإسلامي لدى العرب في الإقليم، هو الذي يستثير حنقهم مجرد رائحة تركية منه.
الأعجب من ذلك: يغزوهم الطموح الإمبراطوري الفارسي لاسترداد ما تقدم على الإسلام، ولا يمثله الصهيوني لنفس الغاية، ويتخوفون من عثمانية مزعومة.

بعد هذه المقدمة في حال الوعي العربي بأم قضاياهم، أعني دورهم المستقبلي وتفضيلهم البقاء محميات الصورة التي وصفت في مداخلتي: وأبدا الآن عرضها.
مداخلتي تعلقت في آن بوصف حال الأمة بترجمتها الاستراتيجية، مكانيا وزمانيا، ترجمة رياضية بينة، وعلاجها بمشروع مستقبلي هو استئناف دور الأمة.
واستئناف دور الأمة مستحيل في المستقبل من دون علاقة العرب بالأتراك، رمزا لعلاقة معين النشأة بمعين البقاء، وهي مصدر مقومات كل استئناف ممكن.
فالعرب كانوا معين النشأة الأولى للخلافة إلى نهاية الأموية، والأتراك كانوا معين البقاء إلى الربع الأول من القرن الماضي إلى نهاية العثمانية، وكلاهما انتهى به الأمر إلى البقاء بالشوكة، بعد فقدان عنصر الدولة الأول، الشرعية -وهو ما وصفته بالانتقال إلى حالة الطوارئ- وبانتهائها، انتهيا.
ويمكن القول إن أزمة العرب أساسا، والأتراك بنحو ما، هي البحث عن شرعية تخرجهما من البقاء بالشوكة، لشعور الشعوب بأن الشرعية القطرية ليست كافية.
ومن الطبيعي حينئذ أن يتنافسا على المصدر الوحيد الممكن، وإن بشكل حديث سنتكلم فيه، هو الشرعية التي تكون مرجعيتها محققة لوحدة المكان والزمان.
والعرب أو الأتراك ليس لهم غير الإسلام ودورهما في تاريخه، مصدرا للشرعية.
ومعالم الإسلام في السعودية: من هنا تنافس صامت بين تركيا والسعودية.
مشكل تمثيل الإسلام، ومشكل الترجمة التحديثية لقيمه وتنظيمه للحياة بما يطابق العصر، هما مجال التنافس بين العرب والأتراك في تحديد مستقبل الإسلام.
وهذا هو موضوع مداخلتي، وكلا المشكلين مضاعف: فلا يمكن أن تمثل الإسلام إذا لم تكن قادرا على حماية أرضه، ولا يمكن أن تحدث الإسلام بإملاء أعدائه.

ذنب تركيا الحالية، والتي يحقرون منها بوصفها الإخوانية -ولو كان ذلك صحيحا لكان فخرا لها- أنها على الأقل في أعين الشعوب تقدم نموذجا في المجالين، وفي عبارة أوجز، ذنبها أنها حققت شرطي السيادة:
1. لم تعد بحاجة لمن يحميها.
2. ولم تعد بحاجة لمن يرعاها.
تحمي نفسها بقوتها، ولا تمد يدها للمستعمر.
والشعوب شديدة الوعي بشرطي السيادة -بصرف النظر عن الخيارات السياسية- لذلك فخوف العرب، علته ميل الشعوب لخيار الحرية (الحماية)، والكرامة (الرعاية).

أبدأ بوصف الحال الاستراتيجية (التحرير سيرسم الشكل الهندسي):
1. المدينة عاصمة الخلافة الأولى.
2. يقابلها على خط إسطنبول، عاصمتها الأخيرة.
وأضع:
3. دمشق عاصمتها الثانية، ويقابلها:
4. بغداد عاصمتها الثالثة.
ألا نلاحظ تقاطع قطعتي مستقيم متعامدين: المدينة – إسطنبول، ودمشق – بغداد؟
أمام بغداد، إيران، وأمام دمشق، إسرائيل، محيطين بهما.
كلاهما يسيطر على القرار فيهما، وينافس الثاني عليه بتحريك العرقية (الأكراد)، والطائفية (الشيعة).
وراء إيران نضع روسيا، ووراء إسرائيل نضع أمريكا، وكل منهما له مآرب، لكنه أيضا يخدم مآرب أداته وشرطيه في الاقليم.
فإذا قطع خط دمشق بغداد، حصل الفصل المكاني بين العرب والأتراك، والفصل الزماني بين الخلافتين الأولى والأخيرة.
وهذه هي استراتيجية إيران وإسرائيل، بدعم روسي أمريكي.

مشكل تركيا مع العرب أنها مدركة لهذه الخطة ولخطرها، وهي تحاول على الأقل حماية أمنها الوطني حتى بصرف النظر عن المسلمين ودورهم، مع علمها بأمرين:
– الأول، أن ذلك مستحيل عليها من دون قوة، من حجم قوة الأعداء مطاولة لا مناجزة، لعلمها بأن المسلمين اليوم عاجزون عن هذه، قادرون على تلك.
– الثاني، لشعور قياداتها بأن شعبهم لم يفقد الطموح الامبراطوري، وسعيهم للاستجابة إلى طموحه، بخلاف القيادات التي همها الوحيد هو التوريث والكرسي.
فأدنى قدر من الفهم الاستراتيجي، يفهمنا مغزى الاعتماد الأمريكي على الأكراد في الحرب على داعش: ضربها أحدهما بالآخر، هدفه منع الاستئناف الإسلامي.
اقتنعت أمريكا أن إيران وإسرائيل وخيانة الأنظمة ومليشيات السيف ومليشيات القلم، لم تعد كافية لإيقاف بشائر الاستئناف الإسلامي، وإن ببطء بيّن.
أصوليو المسلمين وعلمانيوهم (العرب والأكراد في حالتنا)، مهما كان لمطالبهما من وجاهة إن تحررت من التوظيف الاستعماري، ليس إلا إعاقة للأمة.
نقطة التقاطع بين قطعتي المستقيم الواصلتين بين عواصم الخلافة، هي رموز المعركة حول شروط الاستئناف الإسلامي، وموانع العلاقة بين الأتراك والعرب.

إذا فهمنا ذلك، تبين أن تحقيق هذا القطع في المكان وفي الزمان سيؤدي حتما بالعرقية والطائفية إلى تفجير تركيا والسعودية، ولن يبقى للمسلمين باقية، فيكون المشروع الوحيد الذي يمكن أن يحقق للمسلمين المناعة هو:
تحرير دمشق وبغداد من إسرائيل وإيران، ومن ورائهما روسيا وأمريكا، شرط وجود حتمي.
وطبعا لا يمكن أن يكون ذلك بحرب مناجزة، لأن تركيا والسعودية ليستا قادرتين على مجابهة روسيا وأمريكا، لكن بالمطاولة يمكن أن تسقط أداتيهما، والمطاولة كانت ولا تزال، استراتيجية المسلمين في الحروب: وهي استراتيجية تعتمد على الجمع بين نوعي الحروب، أعني حرب الجيوش، وحرب الشعوب.
وتلك هي العلة التي جعلت الأمة في بدايتها لا تهزم أبدا، بل تنتصر في الغاية: فالشعب كله مقاتل، وله نواة من الأبطال والرموز والمعلمين محترفين.
بلغة حديثة، حرب المطاولة حرب نظامية ولا نظامية في آن، وتجري في مسرحين مختلفين:
– الرمزي وهو المقدم،
– والفعلي الذي يحسم في الغاية لإنهاء الحرب.
وحرب المطاولة تجري رمزيا بالمناورة الدبلوماسية، ولمنع المناجزة، وتجري فعليا بالضرب حيث أمكن، بالحرب اللانظامية التي فتحت أرض العدو في الحرب.
وكل تأجيل لهذا المشروع، يعني تمكين العدو من جعله مستحيلا، بمعنى أن العدو سيفتت تركيا والسعودية، وهما القلعتان الأخيرتان للإسلام السني حاليا.
وهذا المشروع لا يستثني إمكانية الحلف مع الغرب، بل هو يعد له: فيوم يعلم الغرب أنه لا يستطيع أن يحول دوننا والاستئناف، سيضطر إليه بحساب المصالح.

وبوضوح تام: ما ينوي ترامب فعله في مناورته الأخيرة، هو منع ذلك بمصالحة زائفة هدفها فرض الحماية على الأمة، في مشروع أوسع وليس التعامل الندّي.
معركة الغرب ليست معنا، بل هي مع الأقطاب الجديدة. ويعلم أن من يسيطر علينا قبل الآخر هو الذي يمكن أن يسيطر على العالم في نظام جديد بدأ يتحدد، فإذا عجز عن اخضاعنا، وهو يعلم حاجته إلينا وإلى ما عندنا، وموقعنا في معركته مع الأقطاب، فإنه سيضطر إلى المعاملة الندية، وحينها، لا بأس من الحلف.
وتبين العجز لا يكفي فيه التصور، بل لا بد أن يكون نتيجة فشل في محاولة اخضاعنا: وهذا الفشل بدأ يتحقق، لأن الغرب لم يعد قادرا على الحرب، فيسترزق.
عندما نقضي على مرتزقته بثورتنا وحرب المطاولة، فإنه سيأتي صاغرا، لأنه من دوننا سيكون أقلية في العالم مع فقدان ما كان يفضل به غيره من أدوات.
الاقطاب الجديدة عمالقة ديموغرافيا وعلميا وتقنيا واقتصاديا، وحتى عسكريا. ويمكن أن يفتكوا منه ما يعتبره مجالا حيويا لقوته، وهو يعتبرنا منه.
فإذا بينا أننا لسنا مجالا حيويا يمكن اخضاعه بيسر، وأن كلفة إخضاعه أكبر من كلفة التعامل معه نديا، فإن الغرب سيأتي صاغرا، وحينها يكون الاستئناف.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد