الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / رسالة من مواطن صالح… يرفض أن يصالح

رسالة من مواطن صالح… يرفض أن يصالح

لطفي هرماسي

السادة الأفاضل، الرؤساء، والوزراء، والنواب، والسياسيون

تحية تليق بمقاماتكم الرفيعة

وبعد، فأنا المواطن الصالح، سامح بن علي بن صالح، يشرفني أن أتوجه لعنايتكم برسالتي هذه، وأنا في كامل الوعي والمسؤولية لأنقل لكم مشاعر تجيش في صدري، وتمور في وجداني، لا أجد سبيلا لكتمانها، ولا مبررا لنسيانها، لا تفارقني في يقظتي، ولا في منامي، تضايقني، وتكاد تخرج من بين ضلوعي…

في مفردات بسيطة، ودونما مواربة، اسمحوا لي أيها السادة الأفاضل أن أقول لكم أنا المواطن الصالح سامح بن علي بن صالح أنني لن أسامح، ولن أصالح، ولن أوافق على ما تصطلحون على تسميته بقانون المصالحة، ولن يستطيع أشدكم سلاطة في اللسان، وقوة في الحجة والبيان أن يغير قناعتي بأنه أعدّ على مقاس فئة استفادت من أموال المجموعة الوطنية بغير الوجوه القانونية، أثرت على حساب المفقّرين والمستضعفين والجوعى والمحرومين، وتحصلت على المليارات والملايين والتسهيلات والعمارات والعقارات والمغازات دون موجب حق ولا ضمانات، سوى علاقة القربى بينها وبين السلطة والمنظومة.

لن أسامح، ولن أصالح لأنني أنا المواطن الصالح سامح بن علي بن صالح، الموظف البسيط بإحدى الإدارات التونسية المشرف على التقاعد، لم أتمكن من الزواج، ولا من اقتناء شقة بسيطة في حي متواضع، ولا من تجهيزها بأبسط الضروريات إلا بعد الحصول على قروض بنكية، يتلو بعضها بعض، ويتناسل بعضها من بعض، بشروط مجحفة، وملفات بالوثائق والضمانات منتفخة، وفوائض تتجاوز قيمها الأصلية، ولم أطلب على الرغم من ضيق الحال، وقلة ذات اليد مصالحة، بل لم أفكر مجرد التفكير في مصالحة ترفع عني غبن الفوائد وضغط الالتزامات العائلية، لأنني لو تجرأت وفكرت لكنت تعرضت للسخرية والتّقريع، وربما تم التشكيك في مداركي العقلية…

لن أسامح ولن أصالح لأنني أنا المواطن الصالح سامح بن علي بن صالح، بحكم قلة الموارد وضغط الأزمات والشدائد، وحرمان أبنائي من المنح والقروض الجامعية، تقدمت بطلب للحصول على قرض جامعي لابني البكر، لم تسامحني الصناديق الاجتماعية، ولم تتصالح معي، ولم تمهلني حتى يتمكن من ولوج سوق الشغل، وإن كان ذلك صعب المنال، وانقضّت علي دونما تفهّم أو إمهال تطالبني بإرجاع المبلغ وفوائده.

لن أسامح ولن أصالح لأنني أنا المواطن الصالح سامح بن علي بن صالح أفنيت العمر في خدمة أبناء الوطن دون تقصير، ولا غياب، ولا تأخير. لم أسمح لنفسي بالحصول على مليم من مال حرام، ولم أجرؤ على بيع الذمام، ولكنني على الرغم من ذلك لم أبلغ عشر ما بلغه بعض من اشتغلوا معي من رفيع مقام، بسبب ولائهم للمنظومة، وقدراتهم البارعة في كتابة التقارير الكاذبة الملغومة، وحصولهم على المنافع والظروف المنتفخة بالعطايا والرشاوي اللئيمة.

لن أسامح ولن أصالح أنا المواطن الصالح سامح بن علي بن صالح لأن آخر مدير عام اشتغلت تحت إمرته قبل الثورة انتهك حرمة المؤسسة، واستغل ما استؤمن عليه من أمانة “ليلهف” لنفسه المليارات، ويمتع أهله والمقربين منه بالانتدابات، ويقدم لأبناء المنظومة التسهيلات، دون وثائق ولا ملفات، حتى ما إذا أوقعه الله في شر أعماله، وكشفت ألاعيبه، وأودع السجن، ألقيت له من أعالي قصوركم حبائل النجاة ليغادر السجن ويعود إلى سالف غيّه دون حساب ولا عقاب بدعوى أنه كان عبدا مأمورا، وعون تنفيذ لأوامر علوية، وقرارات فوقية، لا ذنب له فيها… وعفا الله عما سلف.

لن أسامح ولن أصالح أنا المواطن الصالح سامح بن علي بن صالح لأنني أعتقد بما حباني به الله من فراسة وفهم متواضع أن قانونكم عقاب للمنضبطين على انضباطهم وجائزة للمخالفين على مخالفاتهم، وبأن مردوديته على الاقتصاد الوطني، وعلى تنمية الجهات المفقرة المفتقرة إلى أبسط مناخات وظروف الاستثمار منعدمة، كما أن إجازة هذا العفو على أشخاص ممن تعودوا على التّحيّل على القوانين، وإجادة تقديم التقارير الماليّة والجبائية “المضروبة” والإفلات من الخطايا والضرائب من أبواب الحلم والعفو والمصالحة التي تقوم على مبدإ التصريح والإفصاح من قبلهم ستكون منبنية على نفس المبادئ والنظريات التّدليسيّة التي تربوا عليها.

وطالما أن هناك ببلادنا هيئات قانونية، ودستورية، على غرار هيئة الحقيقة والكرامة القادرة بالنصوص القانونية على التعامل مع هذه الملفات فإنه من الجدير أن تسند لها في نطاق لجنة التحكيم والمصالحة، بدل السعي للتلاعب بأدوارها وتحويل وجهتها في نطاق وعود لممولي الحملات الانتخابية الرئاسية والتشريعية.

السادة الأفاضل، الرؤساء، والوزراء، والنواب، والسياسيون

حساباتكم وتضارب مواقفكم ومصالحكم، وتحالفاتكم، وتوافقاتكم، وأجنداتكم حكما ومعارضة لا تندرج ضمن اهتماماتي ولا أولوياتي، لذا سمح لنفسي أنا المواطن الصالح سامح بن علي بن صالح بأن أعلن أنني لن أسامح ولن أصالح، حامدا الله على ما حبانا به من منحة ثورة الحرية والكرامة التي عبّدت طريقها دماء شهداء وطننا البررة التي ضمخت أرض الوطن كانت من أبرز شعاراتها معاقبة “عصابة السراق”، لا مصالحتها والتطبيع معها.

ختاما تقبلوا فائق احترامي وتقديري، وتمنياتي لكم بصحوة الضمير والقدرة على تقبل الآراء المخالفة.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد