الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / أسفاري واللغات الحية (28)

أسفاري واللغات الحية (28)

أحمد القاري

حماية البولندية من الغزاة والعولمة

بعبور القطار نهر أودر، وهو خط الحدود بين بولونيا وألمانيا، في الرحلة من برلين إلى وارسو، يلاحظ المسافر، إن انتبه، أنه يعبر من منطقة لغوية إلى أخرى بدون وجود أي برزخ فاصل بينما.
فجأة تحولت رسائل القطار الصوتية حول أسماء المحطات والخدمات وتنبيهات الأمان من الألمانية إلى البولونية.
لا أفهم شيئا من اللغتين. ولكن التمييز بين أصواتهما سهل. وقد تحدثت مع بعض المسافرين في الموضوع فقالوا لي إن هذا إجراء مألوف وطبيعي.
الحدود مفتوحة بين دول الإتحاد الأوربي، والحواجز رفعت. ولكن الحدود الثقافية واللغوية واضحة جدا. وكل مجتمع محلي يدافع عن هويته بكل شراسة.

كانت أسماء المحلات ولوحات الإعلانات وعلامات الطرق بالألمانية حتى النهر الحدودي فانقلب كل شيء بولونيا.
سياسة التواصل والتشوير مبنية على الاستجابة لما يطلبه القانون ولحاجيات أغلبية السكان. وهي سياسة لا تحاول أن ترضي سائحا عابرا. وإن حاولت فيا ترى أي لغة ستستخدم؟ الإنجليزية؟ الفرنسية؟ الصينية؟ اليابانية؟ الروسية؟
بولونيا تقع لسوء حظها بين جارين كانا في كثير من مراحل التاريخ الحديث شريرين تجاهها. وحاولا ابتلاعها كبلد وثقافة بالحيلة مرة وبالغزو مرة أخرى.
ولو تم حساب الأمور بمنطق شمال إفريقيا لاختار البولونية الألمانية لغة لدراسة العلوم والتكنلوجيا باعتبارها لغة بلد جار قوي وثري وشديد الحضور في مجال البحث العلمي ويشكل للطالب البولوني فرصة لإتمام دراسته العليا في جامعات راقية.
أو لقلنا إن اللغة الروسية التي فرضت كلغة ثانية خلال الاحتلال السوفياتي المباشر وفي حقبة الشيوعية التي تلته يجب أن تكون تحولت بحكم الواقع ولأنها أكثر انتشارا من البولونية التي لا يتكلمها إلا 50 مليونا في العالم، إلى لغة للتجارة والعلوم والمجتمع الراقي.
لكن شيئا من ذلك لم يحصل. فخلال تجوالي في وارسو تكررت الملاحظة التي سجلتها في كل بلد أوربي: الكتب والصحف والمعلومات على المنتجات والإعلانات وقوائم الطعام والتعليم بكل مستوياته والبحث العلمي والكوميديا والإعلام والتواصل الحكومي وكل ما يستخدم فيه حرف أو كلام هو باللغة البولونية.

وقد شهد الفندق الذي أقمت به في قلب العاصمة تنظيم ندوة علمية فكنت أتفحص المطبوعات على طاولات الاستقبال ولافتات التعريف بالنشاط والجهات المنظمة له بحثا عن جملة أجنبية فلا أجدها.
وحتى مبنى المركز الثقافي الكبير الذي أهدته روسيا لبولونيا تغطيه لافتات ضخمة تعلن عن أنشطة ثقافية مختلفة وتنتشر داخله سبورات بعشرات الإعلانات لأنشطة أدبية وموسيقية وترفيهية لا تجد فيها كلمة روسية ولو على سبيل الوفاء والامتنان. ولا عبارة إنجليزية أو فرنسية ولو على سبيل الانفتاح الثقافي والاستعداد للتعايش على النحو الشائع في المغرب الكبير.

ديباجة قانون اللغة البولندية

ويمكن فهم سر هذا السلوك بقراءة ديباجة قانون اللغة البولونية الصادر سنة 1999:

إن برلمان جمهورية بولندا:
– أخذا بالاعتبار أن اللغة البولندية تشكل عنصرا أساسيا من الهوية الوطنية و تشكل قيمة من قيم الثقافة الوطنية
– أخذا بالاعتبار تجربة التاريخ حين كانت حرب المحتلين والغزاة على اللغة البولندية جزءا من تحطيم الشعور الوطني
– و تقديرا للحاجة لحماية الهوية الوطنية في زمن العولمة
– و بناء على أن الثقافة البولندية تشكل مساهمة في تطوير ثقافة مشتركة متنوعية في أوربا و الحفاظ على هذه الثقافة و حمايتها لا يمكن إلا من خلال حماية اللغة البولندية
– و أن هذه الحماية مهمة كل السلطات و المؤسسات العمومية لجمهورية بولندا و واجب كل مواطنيها.

عوَِض البولونية بالعربية وستحصل على السياسة الملائمة في البلدان المغاربية. علما أنه توجد ببولندا لغات أقليات عديدة محمية بتشريعات خاصة. مع حفظ مكانة لغة الأغلبية كما هوو معمول به في سائر بلدان الغرب و معظم بلدان العالم.

قصر الثقافة بوارسو، عاصمة بولندا بناية ضخمة أنجزها الإتحاد السوفياتي هدية للشعب البولندي.
و قد زرت القصر خلال أكتوبر 2015 وتجولت في بهوه الواسع وقاعاته الفسيحة. واستغربت أن كل المحتوى الموجود بالقصر من أنشطة وإعلانات ومطبوعات باللغة البولونية، لغة الأغلبية الساحقة في البلد.
وينص القانون في بولندا على حماية اللغة البولندية من أخطار العولمة والغزو. وعلى أن الحماية مهمة كافة مؤسسات وسلطات الدولة.
وتنص قوانين أخرى على حماية لغات الأقليات والاعتراف بها. ولكن دون أن تكون على قدم المساواة مع اللغة البولندية.
لاحظ إسم القصر واللافتات الخمس كلها بالبولندية فقط.

البولونية الصامدة

يسكن بولونيا 38.5 مليون نسمة. وهو عدد لا يزيد كثيرا على سكان المغرب. مما يدفع للتساؤل: كيف تستخدم بولونيا لغتها الخاصة في كل المجالات ولا ينجح المغرب في ذلك؟
البولونية لغة أغلبية في بولونيا وحدها، وهي لا تتمتع بصفة الرسمية إلا في بولونيا. أو في مؤسسات الإتحاد الأوربي التي تزدحم فيها 24 لغة لا تقبل أي منها أن تكون الأخرى خيرا منها.
والبولونية من اللغات السلافية. وهي الثانية بينها في الانتشار بعد الروسية. وأبجديتها تتضمن 9 حروف إضافية للأبجدية اللاتينية.
وقد حاول الغزاة من النمسا وألمانيا وروسيا قمع اللغة البولونية لفائدة الروسية والألمانية. ولكن البولونيين قاوموا وتمسكوا بلغتهم وباستخدامها في كل مجالات الحياة من إدارة وتعليم وتجارة وغيرها.
ويتحدث البولندية حوالي 50 مليونا عبر العالم. منهم 10 ملايين بالولايات المتحدة ومليون في فرنسا وعدد مشابه في بريطانيا.
وتنص السياسة اللغوية الرسمية للبلاد على حماية اللغة البولندية من خطر الغزو والعولمة. وهو نص مطبق وليس مجرد حبر على ورق. وينص قانون اللغة البولندية على أن حماية البولندية ونشرها من مهام كافة سلطات الدولة ومؤسساتها.
ويبدو أن هناك جهد مؤسسي كبير في عملية الترجمة إلى اللغة البولندية. وبفضله تجد معظم محتوى المكتبات العامة والتجارية بهذه اللغة. وتجد أكشاك الجرائد والمجلات ممتلئة بالمطبوعات البولندية. كما يتم تدريس كل المواد في الجامعات بالبولندية برغم توفر أقسام تدرس بالإنجليزية وقد أنشئت لاستقطاب الطلاب الأجانب بالدرجة الأولى.

معهد الكتاب البولندي لنشر الكتاب… البولندي!

يعمل معهد الكتاب التابع لوزارة الثقافة البولندية، على نشر القراءة ودعم الكتاب البولندي في الداخل والخارج من خلال:
– دعم ترجمة الكتب البولندية إلى لغات أخرى بتقديم منح وتدريب للمترجمين، وتوفير ظروف سكن ملائمة لهم لمدد معينة مقابل تدريس طلبة الجامعة.
– إنجاز كاتالوج بالكتب الصادرة في بولندا (بالبولندية طبعا) يتضمن معلومات عن الكتب باللغات الإنجليزية والفرنسية والروسية لفائدة ناشرين أجانب بغرض البحث عن فرص لترجمة الكتب البولندية ونشرها في الخارج.
– نشر مجلات ثقافية تعنى بالكتب الجديدة والمسرح والموسيقى والإبداع (كلها بالبولندية).
– نشر اقتراح بكتاب أسبوعي للقراءة (بولندي دائما).
– نشر مقترحات لكتب الأطفال (بولندية).
– التعاون مع المكتبات العامة لترقيتها وتحسين خدماتها وتحديثها.
– تأسيس نوادي مناقشة الكتب (أكثر من 1300 ناد).
ويبدو من خلال تصفح موقع المعهد أن كتب اللغات غير البولندية ليست في دائرة اهتمامه. وهذا طبيعي، فلكل لغة من يدافع عنها. بحسب وزارة الثقافة في كل بلد أن تدافع عن لغاته الوطنية!
لا مجال لإنفاق المال العام في نشر لغات أجنبية على حساب اللغات الوطنية!

مجلس اللغة البولندية

سنة 1996 أسس “مجلس اللغة البولندية” وهو تابع لأكاديمية العلوم البولندية.
ينظم قانون اللغة البولندية لسنة 1999 عمل المجلس. ومن مهامه:
– نشر المعرفة باللغة البولندية، واستخدامها الصحيح، وتقديم توصيات بالصيغ الملائمة للتعبير.
– حسم الشكوك في القواعد النحوية وقواعد الصرف والإملاء.
– تطوير استخدام البولندية في العلوم والتكنولوجيا وخاصة في التقنيات الجديدة.
– تقييم اللغة المستخدمة في المجال العمومي، من إعلام وتواصل حكومي.
– تقييم قواعد الكتابة والترقيم.
– تقديم الرأي في أسماء المنتجات والخدمات الجديدة، بما في ذلك النحو والكتابة.
– تطوير تدريس قواعد اللغة والنحو في المقررات المدرسية.
يتعاون مجلس اللغة البولندية مع وزارة الثقافة والتراث الوطني، ووزارة التعليم، ووزارة الداخلية والمفتشية الوطنية للتجارة والبرلمان.
ويقدم المجلس تقريرا حول وضع اللغة البولندية للبرلمان كل سنتين. إضافة إلى نشرة إعلامية كل ستة أشهر.

عمل بنكي بالبولندية

أرسلت بريدا إلى مكتبة البنك المركزي البولوني الساعة 9 والنصف يوم 25 أكتوبر 2015 أسأل إن كانوا يتوفرون على كتب حول اتفاقية إنشاء صندوق النقد الدولي. الساعة 10 والنصف جاءني الجواب مع رابط لموقع المكتبة يبين أن هناك 80 وثيقة وكتاب تتضمن كلمة (بريتون وودز) وهي تسمية الإتفاقية المذكورة. واجهة الموقع باللغة البولونية فقط. ودون ترجمتها لا يمكن لمتصفحها الأجنبي الإستفادة منها.
اخترت ثلاثة عناوين وأرسلت بريدا أخبرهم بأني أرغب في الإطلاع عليها.
صباح اليوم التالي ذهبت إلى مقر البنك. له عدة بوابات. كنت أسأل الحراس وكانت كلمة (بيبليوتيك) تساعد في فهم مقصدي فاللغة الإنجليزية تبدو لهم مثل أصوات الطيور بدون معنى.
البناية مصفحة وإجراءات الأمان لدخولها تشابه بوابات المطار. حارس الأمن يحدثني بالبولونية فأفهم من خلال الإشارات.
موظفة تسجيل الزوار تتكلم إنجليزية لا بأس بها. أما المكتبية التي تلقت بريدي وأحضرت لي كتابين من الثلاثة التي طلبت (الثالث معار) فتتكلم الإنجليزية بشكل جيد.
المكتبة خاصة بالمنشورات الاقتصادية بلغات متعددة لكن نسبة كبرى من محتواها بولونية كالعادة.
هناك طاولات فردية للقراءة وتتوفر الصحف الاقتصادية المحلية والدولية.
كالعادة الطاولات ليست مشغولة بالكامل والزوار قلائل.

الجيد في نظام المكتبات والأرشيفات التي زرت حتى الآن أنها تعتبر ما تقدمه من وثائق موجها للعموم. لذلك لا يهتمون بطرح أي أسئلة على الزائر. وإنما هناك إجراءات أمان قد تتطلب الإدلاء بوثيقة تعريف.
الوثيقة العامة للعموم وليست للمواطن أو الباحث أو فلان دون علان. ويتم توفيرها للإطلاع لمن طلبها بأقصى سرعة ممكنة وبالمجان.
تتوفر واجهة البنك المركزي البولوني بالبولندية والإنجليزية. كما تتوفر القوانين الخاصة بالعمل البنكي بصيغة إنجليزية لمن يريد الإطلاع عليها من الأجانب.
وينص قانون البنوك البولندي على أن مجلس إدارة أي بنك يجب أن يضمن شخصين يحسنان البولندية. وهو شرط يمكن للسلطات المالية إسقاطه إن رأت أن ذلك لا يضر بمصلحة المتعاملين.
وينص القانون على أن تحتفظ فروع البنوك الأجنبية بنسخة من المحاسبة باللغة البولندية. وأن تكون كل محاضر الجموع العامة والمجالس الإدارية المقدمة للسلطات المالية بلغة أجنبية مرفقة بترجمة مصدقة.
ومن البديهي أن البنوك البولندية المحلية تمسك محاسبتها وتعد كافة وثائقها الإدارية باللغة البولندية، خلافا لما هو سائد في دول شمال إفريقيا الفرنكفونية التي تعتمد الفرنسية حتى الآن.

#لغات_حية 28

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد