الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الشباب في تونس.. “التيراكوتا” في مقبرة الثورة

الشباب في تونس.. “التيراكوتا” في مقبرة الثورة

حليم الجريري

بعد ما يربو عن ست سنوات ونيف من الثورة في تونس، تكاد تسمع صدى تساؤلات يتردّد باحثًا عن حصاد هذه الثورة والمتغيّرات التي حملتها داخل المشهد التونسي عمومًا.

ولو كلّفت نفسك بعضًا من الجهد للبحث والتأمّل في منجزاتها فقد تستعيد صدى صوت كهل تونسي حالم يسائل ابنه الذي ارتقى شهيدًا خلال أحداث الثورة قائلًا: هل انتصرنا؟ وهل أينعت دماء الشهداء زهرًا ووردًا وحرية وعدالة على هذه الأرض؟

قطعاً ليست الصورة وردية ضمن تمفصلات المشهد، فمجرّد البحث عن حصاد الثورة اليوم تجيبك عنه التحركات الاحتجاجية المتنامية والمتصاعدة في البلاد، والتي تنبئ أنّ التهميش والفقر ما يزالان مسرطنان إلى الآن، فيما لم يجد أبناء الثورة من الإسلاميين حرجًا من التحالف مع المنظومة القديمة، ربّما بحثًا عن الأجر والعفو “والصلاح للبلاد والعباد”، وهو واقع ولا شكّ يحيل على تساؤلات عدّة عن استتباعات وضع سياسي واجتماعي محبط على الشباب.

وعن المتغيّرات التي تحقّقت بعد ست سنوات من التغيير الديمقراطي. يُجمع المتابعون للشأن التونسي أن المكسب الأبرز والمؤكّد للثورة تمثّل في حرّية التعبير والتنظيم والتعدّد السياسي، خاصّة عبر فكّ قيود الإعلام الذي كان خاضعًا لرقابة مشدّدة زمن النظام البائد، مكسب ولا شك كان متنفسًا حقيقيًا للشباب لتصريف فورة من الطاقات والأفكار التي ألهبت الربيع التونسي إعلاميًا وسياسيًا، حيث اجتاحت البلد في فترة وجيزة موجات متتابعة من النشاط السياسي والجمعياتي المكثّف، فتناسلت الأحزاب حتى بلغت أكثر من 150 حزبًا قبل انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2011، أما عن العمل الجمعياتي فقد انفتح على مصراعيه أمام كل المبادرات والمجالات الحقوقية والثقافية وغيرها، بل أن بعضها لم يخلُ من شبهات في التمويل والارتباط الخارجي.

إلى ذلك فإن المتأمّل لمسار الثورة ومقيّم منجزاتها، لا بد له أن يقف على حقيقة مريرة.. فعلى الرغم من فورة الحريّات التي شهدها العمل العامّ (السياسي والمنظماتي) وحريّة التعبير إلا أن هذين المجالين لم يتجاوزا حدود توصيف الواقع وأزماته ونقل المشاكل ولم يبرح مطلقًا الربوة نحو تقديم البدائل والحلول، فمنظّمات المجتمع المدني والأحزاب والإعلام لم تمتلك برغم تأثيرها الكبير قدرة على تغيير واقع مترسّب منذ عقود، ولم تقدّم خطابات عشرات الأحزاب ومشاريع المجتمع المدني وكاميرات الإعلام وأقلامه حلولًا حقيقية لعشرات المحاور والقضايا المطروحة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، مكتفية بالجانب التنظيري أو ببعض المشاريع الطوباوية.ولم يختلف المشهد كثيرًا في سياق الحركة الإعلامية الجديدة بعد الثورة في ظلّ سقف الحريات الذي تجاوز منطق الخطوط الحمراء والموانع والزواجر والتابوهات، ليسقط أحيانًا في فخ الشعبوية والثلب وعدم المهنية، وأحيانًا أخرى بحجّة المهنية المطلقة وهو ما استدعى لاحقًا إعادة ضبط القواعد المنظمة لحريّة الكلمة والتعبير.

واقع كرّس استمرارية الأوضاع الاجتماعية المتعفّنة التي بقيت تراوح نفسها من بطالة وتهميش وتفقير وغياب لمقوّمات الكرامة والحياة الأساسية، خاصّة بالمحافظات الداخلية، ولم تنجح الوعود المتراكمة والمتتالية في تجسيد شعارات الثورة وترسيخ تغييرات ملموسة.

هذا الواقع الاجتماعي يعدّ مرآة عاكسة لمسار سياسيّ ضلّ الطريق بعد أن غرق في مستنقعات الصراعات الهامشية والمهاترات الجانبية، مذكّرًا إيانا بأيّام المجلس الوطني التأسيسي عندما كان “المتصارعون” يختصمون حول النقطة والفاصلة، وفي الشارع مليون عاطل عن العمل، متناسين الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالبعد الاجتماعي للثورة ومنغمسين في المشادّات السياسية بينهم وبين أضدادهم الأيديولوجيين حول الدستور واقتسام السلطة والتحالفات والمناورات، ما جعل من الحكم بمثابة غنيمة، فيما توارت الروح الفعلية لثورة كان الشباب وقودها وكان حريًّا به أن يتبوّأ الصفوف الأولى في ما تلاها من مجريات.

أُقصي الشباب إذن من دفة الشأن السياسي، مكتفيًا بأدوار ثانويّة أو بتعبئة الخزّانات الانتخابية والبشرية للأحزاب الحاكمة، وضاع صوته بين زحام الإعلام المنقسم على نفسه ما بين إعلام الموالاة والمعارضة، أمّا الكرامة والعدالة الاجتماعية والتشغيل فما تزال معلّقة إلى اليوم حتى إشعار آخر، تتحرّك شرارتها بين الفينة والأخرى ضاغطة على الحكومات المتتالية والتي تضطرّ إلى الهرولة في محاولة يائسة لإطفاء حرائقها حتى لا تخرج من قمقم الانتفاضات الاجتماعية “العابرة”.

هذه الثورة التي أضحت في نظر الشباب عنوانًا لانتهازية السياسيين الذين صعدوا على ظهورهم وتضحياتهم خدمةً لمآرب شخصية وحسابات خاصّة، لم يتجاوز حظّ الشباب منها الشعارات والخطب الرنانة، وهو ما يعمّق مستويات الاحتقان في صفوف هذه الفئة والشعور بالظلم الاجتماعي والسياسي، فلا الغبن ولا التهميش رُفعا عنهم، ولا حتى أُشركوا في صياغة القرار وصناعة مستقبل البلاد.لم يجافِ الباحث الاجتماعي “الصغيّر شامخ” الحقيقة عندما قال في حديث إلى “جيل” إن موت السياسة في تونس طيلة عقود من الزمن قبل الثورة والخلط الواضح في المخيال العام بين “الدولة” و”النظام السياسي” و”الزعيم”، جعل الكيانات والتنظيمات الحزبيّة المدنيّة تسقط في سلوك سياسي مشتقّ من طبيعة النظام السياسي العمودي الذي قامت ضدّه الثورة، لذلك غرقت النخب السياسيّة في صراعات السلطة بسبب غياب البرامج الاقتصادية والاجتماعية والثقافيّة عن طرحها من جهة، وبسبب طبيعة فهمها أو تصوّرها للتغيير والإصلاح السياسي الذي يتماهى مع “الدولة” أكثر من التماهي مع المجتمع من جهة أخرى.

يقول خبراء الاجتماع، إنّ المزاج العام خاصّة في أوساط الشباب يعكس حالة من الإحباط والقنوط المتصاعد لدى هذه الفئة التي أصبح السواد الأعظم منها مقتنعًا بأنه استُغلّ وقودًا لثورة قطف السياسيون ثمارها.

تشنّج يدقّ أجراس الخطر منذرًا بأن رزيّة هذا الوطن في أبنائه ستكون مضاعفة، ففضلًا عن استقالتهم من الأمل والإيمان فإن هذا الإحباط لن يغذّي إلا نزوعهم إلى الغلوّ والتطرّف الذي يحرّكه الشعور بالغضب والإقصاء والتناسي المتعمّد، ويتقاطع هذا الطّرح والخلفيات المحرّكة لمكامن الانعزال لديهم والرغبة في الانتقام والعدوانية تجاه المجتمع ومؤسّسات الدولة، يتقاطع مع نمطية وعقم أكاديمي وفقهيّ زاد من حالة التكلّس الذهني الذي يصيبهم وهو عاجز عن الإجابة عن تساؤلاتهم الروحية الراهنة.

ويلفت الباحثون اليوم إلى أن بعض الخطابات الدينية المتحجّرة التي أطلّت بقرنيها بعد عقود، زادت من إذكاء نار التطرّف لا بسبب عجزها فحسب عن التلاؤم مع احتياجات الشباب النفسية ومع متطلّبات العصر ومتغيّراته جراء فتاوى جامدة، ولكن أيضًا جرّاء ما تسبّبه من دفع هذه الفئة للبحث عن إجابات لتساؤلاتهم الملحة من منابع أخرى مغموسة في الأصولية والراديكالية التي لا تعترف بحلول وسطى، وفي هذا الإطار يمكن لنظريات الجهاد لابن تيمية مثلًا -والتي تلاءمت مع سياق زمنيّ معيّن- من أن تجد مكانتها في أفئدة هؤلاء الشباب الخاوين من أي معنى للبقاء فدى لأوطانهم، فيجد “الولاء والبراء والجرح والتعديل” مكانًا خصبًا ليتغلغل في هذا الخواء إلى أن يسمو إلى مصافّ ما يتطارحه الشباب اليوم من مباحث الوجودية والعبثية، فضلًا عن مناقشة الأيديولوجيات السياسية والفكرية الكبرى ودحضها أو الردّ عليها، والمحصّلة شباب بين فكّي كمّاشة.

جيل سياسي من الشيوخ من جهة، ورئيس يكابد عقده التاسع “مبشّرًا بأحلام الشباب” من جهة أخرى، ومن رحم كهذا لن يولد في المجتمع التونسي غير التصحّر الفكريّ والروحيّ، ولا منفذ لهؤلاء إلا أن يكفروا بهذا البلد أو يعلنوا تكفير هذا البلد ومن عليه.

العربي الجديد – جيل

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد