الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / رحلة إلى الأعماق: مرحى.. مرحى..

رحلة إلى الأعماق: مرحى.. مرحى..

نضال السالمي

يتحدّثون صباحا مساء عن الحداثة والتقدمية ولا نرى من ذلك شيئا في حياتهم.. غير التشجيع على الخمور والفجور وتعرية النّساء وآستعمالهم وقودا في معارك العولمة البائسة.. وقريبا جدّا سنرى الرجل منهم يطلب من أيّ عابر سبيل أن يقبّل زوجته ليقوم بتصويرهما بواسطة آخر التقنيات القادمة من وراء البحار.. ثمّ ينشر الصّور مزهُوّا، فيقول له صديق تقدميّ -هو الآخر-: يااه، مرحى.. مرحى.. صورة حداثيّة مُوَفّقَة.

في الحقيقة، هؤلاء هم أيتام الأوطان إذ لا يجدون ما يشدّهم لهويّاتهم فيتسوّلون من اللصوص وقطّاع الطرق العالميين أيّ لقمة روحية يسدّون بها جوعهم التاريخي للمعنى.. وهذا في الحقيقة مدحٌ لهم -أن يكونوا جياعا للمعنى-.. والأرجح أنّهم مرتزقة كلّ الأزمنة وكلّ الصّرعات الفلسفية والآخر صيحات إستعمارية: إنّهم الهاموش.. الفتات.. الفيروسات.. المرض المستفحل والأكثر كمونا وخطورة.

لقد حاورتهم وآستمعت لهم لأكثر من عشر سنوات.. ولم أجد لديهم إطلاقا أيّ مسوّغ حقيقي ولا أيّ قيم جديدة: يتحدثون عن تحرير المرأة فيقدّمون برامج خبيثة لتوريطها في عبوديّات أكثر مكرا وخطورة أعني عبودية رأس المال ومباهج الرقص على موائد اللئام وفقدان الحاجة الملحّة للحنان والأنوثة بوصفها قلاع المرأة التاريخية.. ويتحدثون عن التصنيع والإستقلالية ثمّ يرهنون بلدانهم في التبعية المقيتة للإستعمار الإقتصادي والثقافي.. ويتحدثون عن النّظر للأمام ضدّ الرجعية طبعا ويا ليتهم ينظرون للأمام أو حتّى للوراء فما رأيتهم ينظرون قولا وعملا إلا لأعضائهم التناسليّة ولقد أنفقوا أعمارهم في ذلك.. ولأنّني أرغب بالموضوعية دوما فسأظطرّ ها هنا أن أعدّل كلامي وأقول: لقد قضّوا ثلاثة أرباع أعمارهم فقط في التعلّق بالجنسولوجيا ذلك أنّ الرّبع الباقي قد قضّوه نياما في أيّ خمّارة أو وكرٍ للدّعارة.

ولقد بحثت بعد ذلك في أسرار تطوّر الشعوب فوجدت كلّ الدّول تتقدّم ضمن الآفاق الّتي يفتحها تاريخها نفسه: إنّها تفتح سبلا من داخل هويّاتها ومخزونها وهذا ما أعتقده ميزة الحداثة الحقيقية والتقدمية الصلبة.. أمّا ما يروّجونه من هراء وشعوذات حول عالمية المعنى وكونية القيم والأفكار والعلوم فيبدو لي أشبه بمن يسقط أرضا في معركة فيرفع المنديل الأبيض إيهاما بالهزيمة ثمّ ينقضّ علينا في منطقة أخرى لصرعنا بالضربة القاضية.. وهذا ما يحدث فعلا.. فحين يجدون أنفسهم على حافة الجدار بدون أيّ مناعة ولا دعم داخلي فيتظاهرون فورا بالتّماوت قبل أن يستغيثوا في جنح الظّلام بالمستعمر الأجنبي صاحب الفضل الحداثي والأسلحة التقدمية والشركات النّاهبة للهويّة.

هل يمكن للشعوب أن تتقدّم وهؤلاء يسيطرون على وجدانها ؟؟

إنّ من يجيب عميقا سيدرك طريق الخلاص كأعمق ما يكون..

شاهد أيضاً

السيد رئيس الحكومة المستهلك يسمعك بـ”جيبه” المثقوب وليس بعقله

عبد السلام الزبيدي عندما يفتخر رئيس الحكومة باهتراء المقدرة الشرائية، ويعلّق خيبة السياسات على أزمة ...

اترك رد